غير واصل في الحقيقة لكونه في حجاب العلم والشهود . وانما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه . ولما كانت المراتب متميزة ، قسم أرباب هذه الطريقة المقامات الكلية إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين . فعلم اليقين تصور الامر على ما هو عليه ، وعين اليقين شهوده كما هو ، وحق اليقين بالفناء في الحق والبقاء به علما وشهودا وكمالا وحالا ، لا علما فقط . ولا نهاية لكمال الولاية فمراتب الأولياء غير متناهية . ولما كان بعض المراتب أقرب من البعض في النبوة والولاية ، ذكر الشيخ ، رحمه الله ، الأنبياء المذكورين في هذا الكتاب حسب مراتبهم لا بالتقدم والتأخر الزماني . ولما كان المبعوث إلى الخلق تارة من غير تشريع وكتاب منه سبحانه ، انقسم النبي إلى المرسل وغيره . فالمرسلون أعلى مرتبة من غيرهم لجمعهم بين المراتب الثلاث : الولاية والنبوة والرسالة . ثم الأنبياء لجمعهم بين المرتبتين : الولاية والنبوة ، وان كانت مرتبة ولايتهم أعلى من نبوتهم ونبوتهم أعلى من رسالتهم [8] لان ولايتهم جهة حقيتهم لفنائهم فيه ونبوتهم جهة ملكيتهم إذ بها يحصل المناسبة لعالم الملائكة فيأخذون الوحي منهم ، ورسالتهم جهة بشريتهم المناسبة للعالم الانساني . وإليه أشار الشيخ ، رضى الله عنه ، بقوله : مقام النبوة في برزخ دوين الولي و فوق الرسول ، أي النبوة دون الولاية التي لهم وفوق الرسالة . تتميم لا بد ان تعلم ان العادة متعلقة بالتقدير الأزلي الواقع في الحضرة العلمية الجاري على سنة الله ، وخرق العادة يتعلق بذلك ، لكن لا على السنة [9] بل اظهارا للقدرة . وهو قد يصدر من الأولياء فيسمى كرامة ، وقد يصدر من أصحاب النفوس القوية [10] من أصل الفطرة وان لم يكونوا أولياء وهم على قسمين : اما خير بالطبع أو شرير . والأول ان وصل إلى مقام الولاية فهو ولى ، وان لم يصل فهو من الصلحاء والمؤمنين المفلحين . والثاني خبيث ساحر . ولكل منهما التصرف في العالم . وهؤلاء ان ساعدتهم الأسباب الخارجية استولوا على أهل العالم وصار
[8] - قال بعض العرفاء ، الفرق بين الرسول والنبي هو ان الرسول باعتبار تبليغ الاحكام : ( يا أيها الرسول بلغ ) ، والنبوة باعتبار الاخبار عن المعارف والحقايق التي تتعلق بتفاصيل الصفات والافعال . فان النبوة ظاهر الولاية التي هي الاستغراق في عين الجمع والفناء في الذات فعلمها علم توحيد الذات ومحو الافعال والصفات . فكل رسول نبي ، و كل نبي ولى ، ليس كل ولى نبيا ، ولا كل نبي مرسلا ، وان كانت رتبة الولاية أشرف من النبوة والنبوة من الرسالة كما قيل : مقام النبوة في برزخ دوين الولي وفوق الرسول . فلا يرسل الرسول الا للإطاعة إذ حكمه حكم الله باعتبار التبليغ فيجب ان يطاع ولا يطاع الا باذنه فان من حجب عنه لقصور الاستعداد ، كالكافر الأصلي والشقي الحقيقي ، أو بالرين ومحو الاستعداد ، كالمنافق ، ليس بمأذون له في الطاعة في الحقيقة . 12 [9] - حتى يرد : ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ، والحاصل ان عادة الله لا يتغير الا لاظهار القدرة ، كذا قيل . 12 [10] - وفي الكافي : سادة النبيين المرسلين خمسة ، وهم أولوا العزم من الرسل وعليهم دار الرحى : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، عليهم السلام . السادة جمع السيد ، والعزم هو الإرادة الجازمة من القاصد لفعل التي لا يتخلف الفعل عنه الا لمانع ، وأولوا العزم من الرسول سموا بذلك لما فيهم من العزم التام على دعوة الحق إلى طريق الحق والمجاهدة مع الله وثبات القدم في الحروب والصبر على الشدائد .