وأما الحكم بين المظاهر دون الأسماء فهو النبي الذي يحصل نبوته بعد الظهور نيابة عن النبي الحقيقي [2] . فالنبي هو المبعوث إلى الخلق ليكون هاديا لهم ومرشدا إلى كمالهم المقدر لهم في الحضرة العلمية باقتضاء استعدادات أعيانهم الثابتة إياه ، وهو قد يكون مشرعا كالمرسلين وقد لا يكون كأنبياء بنى إسرائيل . والنبوة البعثة وهي اختصاص إلهي حاصل لعينه الثابتة من التجلي الموجب للأعيان في العلم من الفيض الأقدس . ولما كان كل من الظاهر طالب لهذا المقام الأعظم بحكم التفوق على أبناء جنسه ، قرنت النبوة باظهار المعجزات وخوارق العادات مع التحدي [3] ليتميز النبي من المتنبي . فالأنبياء ، صلوات الله عليهم ، مظاهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها للمظاهر وعدالتها بينها . فالنبوة مختصة بالظاهر ويشترك كلهم في الدعوة و الهداية والتصرف في الخلق وغيرها مما لا بد منه في النبوة ويمتاز كل منهم عن الآخر في المرتبة بحسب الحيطة التامة كأولي العزم من المرسلين ، صلوات الله عليهم أجمعين . وغير التامة كأنبياء بنى إسرائيل . فالنبوة دائرة تامة مشتملة على دواير متناهية متفاوتة في الحيطة . وقد علمت ان الظاهر لا تأخذ التأييد والقوة والقدرة والتصرف والعلوم وجميع ما يفيض من الحق تعالى عليه الا بالباطن وهو مقام الولاية المأخوذة من الولي وهو القرب . والولي بمعنى الحبيب أيضا منه . فباطن النبوة الولاية ، وهي ينقسم بالعامة والخاصة . والأولى تشمل على كل من آمن بالله وعمل صالحا على حسب مراتبهم كما قال الله تعالى : ( الله ولى الذين آمنوا . . . ) [4] والثانية ، يشمل الواصلين من السالكين فقط عند فنائهم فيه وبقائهم به . فالخاصة عبارة عن فناء العبد في الخلق ، فالولي هو الفاني فيه الباقي به . وليس المراد بالفناء هنا انعدام عين العبد مطلقا بل المراد منه فناء جهة البشرية في الجهة الربوبية إذ لكل عبد جهة من الحضرة الإلهية هي المشار إليها بقوله : ( ولكل وجهة هو موليها . . . ) [5] . والعبد مبدء لأفعاله وصفاته قبل الاتصاف بمقام الولاية من حيث البشرية وبعد اتصافه بها هو مبدأها من حيث الجهة الربانية كما قال : ( فإذا أحببته كنت
[2] - ولهذا لا يكون نبوتهم أزليا ، وكذا ولايتهم لان نبوتهم تابع لولايتهم ولكن نبوة النبي الحقيقي ، عليه السلام ، أزلي لأنه ( ص ) كان نبيا وآدم بين الماء والطين . وأزلية نبوته باعتبار ولايته ولذا كانت ولاية ورثته أيضا أزلية ولذا قال الشيخ العارف المحقق مولانا عبد الرزاق الكاشاني في المصطلحات : ( الخاتم هو الذي قطع المقامات بأسرها وبلغ نهاية الكمال والبالغ إلى نهاية الكمال واحد لا يقبل التعدد وخاتم النبوة هو الذي ختم الله به النبوة ولا يكون الا واحدا ، وهو نبينا ( ص ) . وكذا خاتم الولاية على الاطلاق وهو أيضا لا يتعدد ، وهو الذي يبلغ به صلاح الدنيا والآخرة نهاية الكمال ويختل بموته النظام وهو المهدى الموعود ، عليه السلام ) . الخاتم لجميع مراتب الولاية ودرجات الإلهية ولذا قال على ، عليه السلام ، ( لو لا الحجة لساخت الأرض باهلها ) . ومن لم يعرف هذا الولي الكامل المكمل مات ميتة جاهلية . وما قال الشارح العلامة ان الولاية ينختم بالعيسى و هو الخاتم للولاية المطلقة في هذا الشرح ، مناف لما ذكره في رسالة النبوة والولاية . أو كلامه محمول على التقية أو العصبية الجاهلية . وقد حقق المقام خاتم العرفا ، آقا محمد رضا القمشي ، في تعاليقه على الفص الشيثي . ( ج ) [3] - قال صاحب البلغة : التحدي عبارة عن دعوى يعجز عنه الأغلب على رؤس الاشهاد لا في نفسه والا لا يكون صحيحة . [4] - أي ، متولي أمورهم ومحبتهم حيث يخرجهم من ظلمات صفات النفس إلى أنوار الروح . [5] - أي ، ولكل أحد منكم غاية وكمال بحسب استعداده الأول ، الله موجه وجهه إليها أو هو نفسه موجه نفسه إليها ويتوجه نحوها بمقتضى هويته واستعداده باذن الله ، تعالى . ( تفسير الشيخ )