ومن حصده وزرعه ، ومن داسه ورفعه ، ومن الكيال والطحان ، ومن الخباز والعجان ؟ فلا يزال يفحص حتى يخلص إبريزه [1] على نار السبك [2] ، ويكمل عياره على المحك ، ويشذب [3] تخيله عن شوك الشك ، فهكذا خشية الأتقياء يجفلون [4] كما النعام ، ولا يأكلون كما تأكل الأنعام . يا نفس : أراك على شرف الحمام ، وأجدك على طرف الثمام [5] ، قد انحنت قامتك ، ودنت قيامتك ، ولم يبق من عمرك إلا ساعة زمنية ، وما بعد المشيب إلا بلية أو منية ، فتأهبي للعرض يوم القيامة ، وتوضأي للفرض قبل الإقامة ، وأكثري حزنا على نفس ضيعته ، وشيطان أطعته ، وهوى تبعته ، ودين بعته ، وما أخالك [6] إلا كزنجي زنى وسرق ، وعصى وأبق ، فيرد إلى سيده مكتوفا ، ومثل بين يديه موقوفا ، يهوى الخلاص وأنى له الخلاص ، ويرجو النجاة ( ولات حين مناص ) [7] ، فهو كمريض لا يرجى برؤه ، أو محيض لا يرقى ( 8 ) قرؤه ، أو غريق نبذه الملاح ، فأخذه التمساح ، أو هائم خلفه الخريت ( 9 ) ، واستهوته
[1] الابريز : الذهب الخالص من الكدورات . مجمع البحرين 4 : 8 برز . [2] قال الطريحي في المجمع 5 : 269 سبك : وسبكت الفضة وغيرها أسبكها سبكا ، من باب قتل : أذبتها . [3] أي : يقطع . اللسان 1 : 486 شذب . [4] أي يجهدون أنفسهم ويتعبونها . مجمع البحرين 5 : 339 جفل . [5] قال ابن منظور في اللسان 12 : 80 ثمم : والعرب تقول للشئ الذي لا يعسر تناوله : هو على طرف الثمم . [6] أي : وما أظنك . مجمع البحرين 5 : 368 خيل . [7] سورة ص 38 : 3 . والمناص : الملجأ . المفردات : 509 نوص . 81 ) أي : لا ينقطع . مجمع البحرين 1 : 194 رقا . ( 9 ) في ب : الدليل الحاذق .