يا نفس : إن الدنيا يونق [1] منظرها ، ويوبق [2] مخبرها ، ولا تدوم حبرتها [3] ، ولا تؤمن فجعتها ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوالة ، غرارة ضرارة ، فالكون فيها خطر ، والثقة بها غرر [4] ، والاخلاد إليها محال ، والاعتماد عليها ظلال ، لم يصفها الله لأوليائه ، ولم يضن [5] بها على أعدائه ، وهي والآخرة عدوان متفاوتان ، وسبيلان مختلفان ، فمن أحب الدنيا وتوالاها ، أبغض الآخرة وعاداها . يا نفس : إن جزعت على ما تفلت من يديك ، فاجزعي على ما لم يصل إليك ، وإن كنت في البقاء راغبة فازهدي في عالم الفناء ، وإن كنت للنعيم طالبة فاعتقي نفسك من دار الشقاء ، وأراك إن دعيت إلى حرث الآخرة كسلت ، وإن دعيت إلى حرث الدنيا عملت ، وإن سقمت ندمت ، وإن عوفيت نسيت ، تواقعين الحوبة [6] ، وتتكلين على التوبة ، فأحسني الاستعداد والاكثار من الزاد ليوم تقدمين على ما قدمت ، وتندمين على ما خلفت ، وتجازين على ما أسلفت .
[1] قال الخليل في العين 5 : 221 أنق : الأنق : الاعجاب بالشئ . . . [2] أي : يهلك . اللسان 10 : 370 وبق . [3] أي : جمالها وحسنها . مجمع البحرين 3 : 256 حبر . [4] في أ : فالكون فيها خطير والثقة فيها غرور . [5] أي : ولم يبخل . المفردات 299 ضنن . [6] أي : الإثم . مجمع البحرين 2 : 47 حوب .