خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ [1] آية للمشركين ؟ وانتخب للمهمة عليا ، فماذا يكون معنى هذا إن لم يكن معناه أن عليا هو الممثل الطبيعي للاسلام الذي يجب أن تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرتها ؟ إني لأتذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي عليا على المدينة وخرج إلى الحرب ، فوضعوا لهذا الاستخلاف [2] ما شاؤوا من تفاسير ، وكان علي ثابتا كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين ، وكنت أحاول أن يلتحق بأبي ليحدثه بحديث الناس ، وأخيرا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الأسارير ، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها بشرى لا بمعنى من معاني الدنيا بل بمعنى من معاني السماء . فقص علي كيف استقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به وقال له : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) [3] ، وهارون موسى كان شريكا له في الحكم ، وإماما لامته ، ومعدا لخلافته ، فلابد أن يكون هارون محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليا للمسلمين وخليفته فيهم من بعده .
[1] إشارة إلى قصة تبليغ سورة براءة ، وهي في مسند الأمام أحمد بن حنبل 1 : 3 طبعة دار صادر - بيروت ، وفي الكشاف / الزمخشري 2 : 243 ، قال : ( روي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق لتبليغ سورة براءة ، هبط جبرائيل عليه السلام فقال : ( يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك ، فأرسل عليا . . . ) . راجع الرواية أيضا في صحيح الترمذي 5 : 594 . [2] راجع تفصيل الرواية في تاريخ الطبري 2 : 182 - 183 ، البداية والنهاية / ابن كثير الدمشقي 7 : 340 . [3] راجع : التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3 : 332 ، قال : رواه الشيخان والترمذي ، صحيح مسلم 4 : 1873 ، خصائص النسائي : 48 - 50 . ( الشهيد )