هذا الخطاب موجه إلى الحزب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته الزهراء إلى مخاطبيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف من الفتنة . وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطان واتخاذ التدابير اللازمة لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص الفرصة السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها . وقد رأينا في الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق وأبي عبيدة [1] رضى عنه الله مما تعززه الظواهر التاريخية . ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من كلام الزهراء الذي بينا اشعاره إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف العصيبة . فلا ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه أقرب إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين . ومن حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت - إن لم يكن زوجها هو المعلن الأول - عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة واتهمتها بالتآمر السياسي ، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير [2] المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ومعاوية [3] بن أبي سفيان - كما عرفنا سابقا .
[1] نعتذر إلى سيدنا أبي عبيدة عن ذكر اسمه مجردا عن اللقب ، وليس هذا ذنبي بل ذنب الأجل الذي عجل بروحه قبل أن يصير الأمر إليه فيمنحه الناس لقبا من الألقاب ، وأما لقب الأمين فالأرجح عندي أنه لم يحصل عليه من طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن طريق الناس ، وإنما لقب به لمناسبات خاصة ليس من شأنها تقرير الأوسمة الرسمية . ( الشهيد ) [2] إشارة إلى قول الإمام علي عليه السلام : ( احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد لك غدا . . . ) . شرح النهج 6 : 11 . وراجع ص 12 ، قول أبي عبيدة للأمام . [3] راجع قول معاوية في رسالة جوابية إلى محمد بن أبي بكر - مروج الذهب 3 : 199 ، وقعة صفين / نصر بن مزاحم : 119 - 120 .