يعتاص على الباحث فهمها ويفتقر في درسها إلى كدّ ذهن وكدح خاطر . اللهم لا ، إنّها حكم سائغة مرسلة تمتزج بالروح من أقرب طريق وتدبّ إلى القلب دون تعمّل أو عناء ، وليس أحد يماري في أنّ إيراد العرب للحكمة البالغة وضربهم الأمثال الرائعة فطري فيهم ، معروف عنهم منذ جاهليتهم ، لما أوتوه من صفاء الذهن واتّقاد القريحة وسرعة الخاطر ، وقد اشتهر كثير منهم بذلك قبل الإسلام ، ا فتستكثر الحكمة السامية على عليّ وهو - من علمت - سليل قريش الذين كانوا أفصح العرب لسانا وأعذبها بيانا وأرقّها لفظا وأصفاها مزاجا وألطفها ذوقا ، وقد قدّمنا لك أنه ربّي في بيت النبي صلَّى اللَّه عليه وآله منذ حداثته فنشأ وشب في بيت النبوّة ومهد الحكمة وينبوعها ، ولازم الرسول حتى مماته ، وقد قال عليّ في بعض خطبه : « كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به » وكان من كبار كتاب وحيه ، وحفظ القرآن كله حفظا جيّدا ، وسمع الحديث الشريف ووعاه ، وتفقّه في الدين حتى كان اماما هاديا وعالما عيلما ، وفوق ذلك فأنت تعلم أن الشدائد ثقاف الأذهان وصقال العقول تفتق عن مكنون الحكمة وتستخرج عصيها وقد مرّ بالإمام حين من عمره حافل بالشدائد ، ملىء بالعظائم والأهوال ، وحسبه ان يحمل مع ابن عمه صلَّى اللَّه عليه وآله أعباء أمره ، ويبيت في فراشه ليلة هجرته متعرّضا لأذى المشركين الراصدين للرسول ، وأن يخوض غمار الحرب في كلّ غزواته - إلَّا واحدة - ثم هو يقضي طوال خلافته مذ بويع إلى أن قتل ( أربع سنين وتسعة أشهر ) في شجار ونضال وجلاد وكفاح ، تارة مع عائشة ومناصريها ، وأخرى مع معاوية وأشياعه ثم يبتلي بخلاف أصحابه عليه ، ويعاني من اختلاف مشاربهم وتباين أهوائهم وغريب شذوذهم وتحكَّمهم ، واعتسافهم ما يضيق عنه صدر الحليم ، ويندّ معه صبر الصبور . كل أولئك التجارب والظروف قد حنّكته ، وصفت من جوهر عقله ، وثقّفت من حديد ذهنه ، وأمدّته بفيض زاخر من الحكم الثاقبة والآراء الناضجة ، وما العقل إلَّا التجربة والاختبار » . وأضاف : « وأخالك تذكر ما قدمناه لك آنفا من أنه كان معروفا بين الصحابة بأصالة الرأي وسداد الفكر ، فكان بعض الخلفاء يفزع إلى مشورته إذا حزبه أمر فيجيد الحز