الذي عرفت موقفه العظيم من الثقة والعلم والجلالة ، أو الترديد فيمن وضعه وجمعه بينهما ، ممّا لا يقام له في سوق الحقائق وزن ، وليس له مناخ إلَّا حيث تربض فيه العصبيّة العمياء ، ويكشف عن جهل أولئك المؤلَّفين برجال الشيعة وتآليفهم ، وأعجب ما رأيت : كلمة الذهبي في طبقاته ج 3 ص 289 حيث قال : « وفيها [ يعني سنة 436 ] توفي شيخ الحنفيّة العلَّامة المحدّث أبو عبد اللَّه الحسين بن موسى الحسيني الشريف الرضي واضع كتاب نهج البلاغة » [1] . قال الجلالي : ما تعجّب منه الشيخ الأميني قدّس سرّه أمور كلها مخالفة للواقع التاريخي : 1 - أنّ الرضي ليس حنفيا ولا شيخا للحنفية . 2 - أنّ اسم الرضي ليس ( الحسين ) ، بل ( محمد ) ، والحسين والده . 3 - أنّ الرضي ليس واضعا ، بل جامعا . 4 - أنّ الرضي لم يتوفّ سنة 436 ، بل توفي في سنة 406 ، واللَّه أعلم بما اعتراه حين كتابة هذين السطرين ، وإن كانت العصبية دعته إلى الاتهام الأخير ، فما هو المخرج من الثلاثة الأول والعصمة لأهلها . والأقرب إلى الانصاف ما قال الدكتور زكي مبارك في مواجهة الذهبي ومن سار على طريقته ، وهو : « إنّ هذا الحكم القاسي لا يطوّق به عنق الشريف إلَّا إن ثبت ان مجموعة « نهج البلاغة » تعرض بعد وفاته للزيادات والإضافات التي توجبها النزعة المذهبية في عصور وصل فيها الكفاح السياسي إلى أبعد حدود القسوة والعنف ، فإن ثبت بعد البحث انها سلمت من الزيادات فهي شاهد على أن الشريف كان يعوزه التدقيق في بعض الأحايين ، أمّا اتهامه بالكذب على أمير المؤمنين في سبيل النزعة المذهبية ، فهو اتهام مردود ولا يقبله إلَّا من يجهل أخلاق الشريف » [2] .