يؤمن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب ، مصلتا سيفه فيقط الرقاب ، ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد ، وبدل الأبدال ، وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الألاضداد ، وألَّف بين الأشتات وكثيرا مّا أذاكر الإخوان بها ، واستخرج عجبهم منها ، وهي موضع للعبرة بها والفكرة فيها » . لقد درس الكثير حياة الإمام عليّ عليه السّلام من جوانب مختلفة من خلال ما ورد عن الإمام عليه السّلام من الخطب والرسائل والحكم ، ومكتبة نهج البلاغة غنية بذلك ، وفي هذا الصدد قولان ممّن لا يعتقد بالامام عليّ عليه السّلام إماما دينيا ، ذات دلالة عميقة ، فتساءل ابن أبي الحديد المعتزلي قائلا : « وما ذا أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبة ولا كتمان فضله فقد اجتهد بنو أمية في إطفاء نوره ، ولعنوه على جميع المنابر ، وحبسوا مادحيه وقتلوهم ، ومنعوا من رواية كلّ حديث يتضمن له فضيلة ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمّى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلَّا رفعة وسموّا ، وكان كالمسك كلَّما ستر انتشر عرفه ، وتضوّع نشره ، وكالشّمس لا تستر بالرّاح ، وكضوء النهار إن حجب عن عين واحدة ، أدركته عيون كثيرة . وما ذا أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذ به كلّ طائفة » [1] ، وقال أيضا » وماذا أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن باللَّه وعبده وكلّ من على الأرض يعبد الحجر ، ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلَّا السابق إلى كلّ خير : محمّد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله » [2] . وقال جبران خليل جبران المسيحي : « مات عليّ بن أبي طالب شهيد عظمته ، مات والصلاة على شفتيه ، مات وفي قلبه الشوق إلى ربه ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفرس أناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى ، مات قبل أن يبلغ العالم رسالته كاملة وافية ، مات وشأنه شأن جميع الأنبياء الناصحين الذين
[1] شرح ابن أبي الحديد 1 : 17 ، ط / دار احياء الكتب بمصر ، 1378 ه . [2] شرح ابن أبي الحديد 1 : 30 ، ط / دار احياء الكتب بمصر ، 1378 ه .