الحاضرين في المجلس والدار هو رد وجزاء للعمل بمثله . لقسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عقوبة لهم بما صنعوا [1] ويرد على هذا : أولا : كما أشرنا إليه آنفا ودلت عليه مضامين بعض الأحاديث أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عرف موضوع اللد بعد أن أفاق ، فعلى هذا فلم يكن نهي قبل ارتكابهم هذا العمل حتى تتحقق المخالفة ويجزون عقابا على ارتكابه . ثانيا : وعلى فرض قبول الحديث بأن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان عالما بأنه يلد فأشار إليهم ناهيا إياهم بأن يمتنعوا من ذلك ، فعملهم ليس بذنب حتى يعاقبون عليه ، ويحق له أن يعاقبهم على مخالفتهم له ، لأن هذه المخالفة مبتنية على اعتقادهم بكراهية المريض للدواء وهذه الكراهية للدواء هو دأب كل مريض . وثالثا : لو سلمنا أن الحاضرين في البيت أجمعوا جميعهم على اللد ، ولكن المباشر في إعطاء الدواء للرسول ( صلى الله عليه وآله ) هو واحد لا الجميع لماذا عاقب النبي الجميع بفعل واحد أو اثنين منهم ؟ والقرآن صريح في قوله : ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) [2] ، وهذا النوع من الحكم يشبه الحكم بقصاص أناس رضوا بالقتل ، فهل من عاقل تسمح له نفسه أن يعاقب من عمل بواجبه الشرعي والإنساني تجاهه ، فأحسن إليه وأنقذه من الموت ؟ فالجواب حتما لا ، فكيف بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين الذي وصفه ابن حجر : بأنه ما اقتص ولا انتقم من أحد حتى من عدوه إذا تعدى على حقوقه الخاصة [3] . لقد بينا في الفصلين السابقين أن الغاية من اختلاق ووضع مثل هذه الأحاديث التي مر ذكرها هي تزكية أولئك الذين لعنوا على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - كمن تخلف عن جيش أسامة ، وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : لا أشبع الله بطنه ، فجعلوا لعن النبي إياهم فخرا وتزكية ورفعة لمقامهم ورتبهم وصيروا ذلك اللعن أعلى رتبة من الدعاء والثناء .
[1] شرح نهج البلاغة 13 : 32 . [2] الأنعام : 164 . [3] فتح الباري 8 : 120 .