وسادسها الصورة الانسانية التي فيها الرّوح والقوى ، ثمَّ له بعد خروجه منه ودخوله في بطن اللاُمِّ الكبرى الذي هو العالم الأوسط إلى دخوله في العالم الأكبر وهو عالم الآخرة وعالم لقاء الله تعالى أيضاً مراحل غير معدودة إلاّ أنّ المعروف منها أوَّلها منزل الصبا والطفوليّة ، وثانيها منزل تمام النموِّ وكمال القوَّة وهو منزل الشباب ، وثالثها منزل الشيخوخة ، فأشار جلّ شأنه إلى الأوَّل من هذه الثلاثة بقوله ( ثمَّ يخرجكم طفلا ) أي أطفالا وإنّما أفرد لإرادة الجنس والجنس يصدق على الكثير ; أو على تأويل ويخرج كلّ واحد منكم ، أو لأنّه في الأصل مصدر وهو في هذا المنزل في التزايد والنموّ وكمّاً ، فيكمل قواه ويزيد مقداره شيئاً فشيئاً بحسبما يقتضيه الطبيعة فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثمَّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئاً بعد شئ حتّى يألف الأشياء ويتمرّن عليها ويصل إلى غايته ويخرج من حدِّ الحيرة فيها إلى التصرّف في المعاش بعقله والى الاعتبار والطاعة والسّهو والمعصية وذلك من تدبير الحكيم العليم ، إذ لو كان النموّ دائماً لعظمت الأبدان واشتبهت المقادير حتّى لا يكون لشئ منها حدّ يعرف ، ولو ولد فهماً عاقلا كاملا لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذ رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم يرَ مثله ولم يأنس به من اختلاف صور العالم والطيور والبهائم غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم ، ولوجد في نفسه غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعاً معصباً بالخرق مسجّى في المهد ، لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد ولذهبت حلاوة تربية الأولاد للأب والأُمّ وما يوجبه التربية من البرّ والعطف ولفاتت الاُلفة بين الأبوين والأولاد لأنّهم يستغنون عن تربيتهما فيتفرّقون عنهما قريباً من الولادة ، فلا يعرف الرجل أباه وأُمّه ، ولا يمتنع من نكاح أُمّه وأخته وذوات المحارم إذ كان لا يعرفهن ولأنّه يرى ويعقل حين الولادة من أُمّه ما لا يحلَّ له أن يراه ، فمن تفكّر في هذه الأُمور وغيرها علم أنّ ذلك من تدبير اللّطيف الخير الذي أقام كلّ شئ من الخلقة على غاية الصواب وأشار إلى الثاني بقوله ( ثم لتبلغوا ) قيل : متعلّق بمحذوف أي ثمّ يبقيكم لتبلغوا ( أشدَّكم ) أي كمالكم في القوّة والعقل ، جمع الشدّة كالأنعم جمع النعمة وهو حدّ التكليف ووقت الشباب وكمال النشوء الذي يكون القوي فيه أقوى من ساير أوقات العمر ويستمرّ إلى أوان شروع تلك القوى في الانحطاط . وأشار إلى الثالث بقوله ثمَّ ( لتكونوا شيوخاً ) وهو حد ينتهي إليه الشباب ويتوجّه الباطن بسبب حدوث قوّة أُخرى من نوع آخر فيه إلى عالم الآخرة فيظهر أثر من آثار الضعف فيه ويتزايد على