( 8 ) الَّذِي عَظُمَتْ ذُنُوبُه فَجَلَّتْ ، وأَدْبَرَتْ أَيَّامُه فَوَلَّتْ حَتَّى إِذَا رَأَى مُدَّةَ الْعَمَلِ قَدِ انْقَضَتْ وغَايَةَ الْعُمُرِ قَدِ انْتَهَتْ ، وأَيْقَنَ أَنَّه لَا مَحِيصَ لَه مِنْكَ ، ولَا مَهْرَبَ لَه عَنْكَ ، تَلَقَّاكَ بِالإِنَابَةِ ، وأَخْلَصَ لَكَ التَّوْبَةَ ، فَقَامَ إِلَيْكَ بِقَلْبٍ طَاهِرٍ نَقِيٍّ ، ثُمَّ دَعَاكَ بِصَوْتٍ حَائِلٍ خَفِيٍّ . ( 9 ) قَدْ تَطَأْطَأَ لَكَ فَانْحَنَى ، ونَكَّسَ رَأْسَه فَانْثَنَى ، قَدْ أَرْعَشَتْ خَشْيَتُه رِجْلَيْه ، وغَرَّقَتْ دُمُوعُه خَدَّيْه ، يَدْعُوكَ : بِيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، ويَا أَرْحَمَ مَنِ انْتَابَه الْمُسْتَرْحِمُونَ ، ويَا أَعْطَفَ مَنْ أَطَافَ بِه الْمُسْتَغْفِرُونَ ، ويَا مَنْ عَفْوُه أَكْثرُ مِنْ نَقِمَتِه ، ويَا مَنْ رِضَاه أَوْفَرُ مِنْ سَخَطِه . ( 10 ) ويَا مَنْ تَحَمَّدَ إِلَى خَلْقِه بِحُسْنِ التَّجَاوُزِ ، ويَا مَنْ عَوَّدَ عِبَادَه قَبُولَ الإِنَابَةِ ، ويَا مَنِ اسْتَصْلَحَ فَاسِدَهُمْ بِالتَّوْبَةِ ويَا مَنْ رَضِيَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِالْيَسِيرِ ، ومَنْ كَافَى قَلِيلَهُمْ بِالْكَثِيرِ ، ويَا مَنْ ضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ ، ويَا مَنْ وَعَدَهُمْ عَلَى نَفْسِه بِتَفَضُّلِه حُسْنَ الْجَزَاءِ . ( 11 ) مَا أَنَا بِأَعْصَى مَنْ عَصَاكَ فَغَفَرْتَ لَه ، ومَا أَنَا بِأَلْوَمِ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَ مِنْه ، ومَا أَنَا بِأَظْلَمِ مَنْ تَابَ إِلَيْكَ فَعُدْتَ عَلَيْه . ( 12 ) أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا تَوْبَةَ نَادِمٍ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْه ، مُشْفِقٍ مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْه ، خَالِصِ الْحَيَاءِ مِمَّا وَقَعَ فِيه . ( 13 ) عَالِمٍ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ لَا يَتَعَاظَمُكَ ، وأَنَّ التَّجَاوُزَ عَنِ الإِثْمِ الْجَلِيلِ لَا يَسْتَصْعِبُكَ ، وأَنَّ احْتِمَالَ الْجِنَايَاتِ الْفَاحِشَةِ لَا يَتَكَأَّدُكَ ، وأَنَّ أَحَبَّ عِبَادِكَ إِلَيْكَ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِكْبَارَ عَلَيْكَ ، وجَانَبَ الإِصْرَارَ ، ولَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ . ( 14 ) وأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ أَسْتَكْبِرَ ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُصِرَّ ، وأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا قَصَّرْتُ فِيه ، وأَسْتَعِينُ بِكَ عَلَى مَا عَجَزْتُ عَنْه .