أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً - اُنظر ! فستجد أنّه لم يبدر منه سوى أنّه لم يرض بالصلح حمية لدينه حيث أتى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) - فقال : يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال : بلى ، قال : أولسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى . قال : أوليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى . قال : فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا ؟ فقال : ( أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيّعني ) ، قال عمر : فما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً » [1] . فمن كان بهذه المثابة من الخوف والوجل من كلمة صدرت منه ظاهرها حميّته للدين ، كيف غاب عنه ذلك الشعور بالخوف حتى قال كلمة غمّ على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) منها لشدة وقعها على قلبه ؟ فما بال أبي حفص تتباين مواقفه من أوامر الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فيناقض نفسه بنفسه ؟ فأين الرضا ؟ وأين التسليم ؟ الّذي قاله يوم جاء هو بالصحيفة ، من هذا العناد والاصرار على الخلاف يوم دعا النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالدواة والصحيفة ، ولماذا ذهب به الأشتطاط فلم يخش ما خشيه من كلمته يوم صلح الحديبية ؟ وهي الّتي كانت أخف لهجة وأهون وقعاً ، وأقل تأثيراً . مواقف ما كانت لتأخذ الألباب بالحيرة لو صدرت عن غير عمر ، من غير أولي السابقة والصحبة والمصاهرة من الأعراب أولي الضرر ، أو البداة من أهل الشعر والوبر . يقول الدكتور صبحي الصالح - اُستاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية - : « وتحليلاً لهذه الحادثة التاريخية الخطيرة ، لابدّ لنا من رَجع النظر فيها لنستقي منها بعض العبر ، و لابدّ لنا من الاعتراف بأنّه لم يكن من المنتظر أن يقف من بين الصحابة مثل عمر ليقول ما قال ، حتى أكبَرَ عبد الله ابن عباس ، وهو حبر الأمة الإسلامية هذا الأمر ، وعدّه أكبرَ رزيّةٍ أصابت المؤمنين ، ولم يكن من المتوقّع إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يختار المؤمنون غير