فأما التقدير فهو الخلق في اللغة لأن التقدير لا يكون إلا بالفعل ، فأما بالعلم فلا يكون تقديرا ولا يكون أيضا بالفكر ، والله تعالى متعال عن خلق الفواحش والقبائح على كل حال . وعقب على ذلك برواية عن أبي الحسن الثالث ( عليه السلام ) فقال : إنه سئل عن أفعال العباد فقيل له : هل هي مخلوقة لله تعالى ؟ فقال ( عليه السلام ) : لو كان خالقا لها لما تبرأ منها ، وقد قال سبحانه ( الله برئ من المشركين ورسوله ) [1] ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم . ثم ذكر الإمام ( عليه السلام ) ما جرى بين أبي حنيفة والإمام موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) في هذا المقام واستشهد ببعض الآيات التي تدل على تنزه الله عن فعل القبيح . ونحن نقول في هذا البحث : من المتيقن به أن الشيخ الصدوق كالشيخ المفيد لا يرى أن الله فاعل أفعال العباد ، وما ذكره الشيخ المفيد من الآيات والروايات فيه تطابق نظر ووحدة رأي بينه وبين الشيخ الصدوق ، إلا أنه هنا أراد أن يفسر ظواهر من قبيل ( الله خالق كل شئ ) [2] أو ( كل من عند الله ) [3] ففي الوقت الذي يكون الإنسان نفسه فاعل أفعال نفسه ، لكن لما كان العلم بما فيه من هذا النظام والترتيب والتقدير ، ومن جملته كون الإنسان مختارا هو فعل الله ومحكوم تقديره ، فمن هذه الجهة يكون صدور المعصية والقبيح من الإنسان باختياره بتقدير الله ومن لوازم خلقه وتقديره وآثارهما أيضا ، لذا فلو قيل بأن أفعال العباد هي مخلوقة من الله ، فإنه لم يقع في ذلك خلاف ولا إثبات نقص واستناد قبيح إليه سبحانه ، ولعل ذلك هو معنى ( الحديث القدسي ) ( يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ) . وبديهي أن العالم بالمقادير هو خالق التقادير ، ومن هذا المنطلق جاز أن يطلق عليه خالق المقادير ، وهذا هو غير الفعل المتعلق بالتقدير الواقع في التقدير ، كما أن تقدير