بني لأغراض سياسية ، وسيأتي زمان إن شاء الله تعالى لا ترى بفضل جهود المصلحين المخلصين هذا التفرق المذهبي ، ولا يبقى من العلماء المجتهدين من ينسب نفسه إلى الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة أو أحمد ، بل يتبع اجتهاده واستنباطه هو ، لأنه لم تدل آية ولا رواية على أنهم أولى من غيرهم ممن يأتي بعدهم ، وأن اجتهادهم أقوى من اجتهاد مجتهدي عصرنا ، فهم واجتهادهم ونحن واجتهادنا ، والباحث يعرف قصة هذا الحصر في الاجتهاد الذي لم يكن في عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا في عصر الصحابة ، إلا أن أرباب السياسة خافوا أن يؤدي فتح باب الاجتهاد إلى ظهور شخصيات علمية مرموقة ، فلا يكون لهم بد من الخضوع لفقههم وآرائهم وزعامتهم الدينية ، الأمر الذي يتعارض مع سلطتهم الاستبدادية ، وأنظمتهم الكسروية والقيصرية ، لأن العلماء إذا ملكوا القلوب يقومون بواجبهم ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر والظلم والاستبداد والاستعباد . وهؤلاء علماء الإمامية بفضل نعمة فتح باب الاجتهاد ، وما يترتب عليه من وجود مرجعية دينة نافذة القول في قلوب الناس ، ترى منهم رجالا في كل عصر يحرسون الإسلام ويبلغون رسالته ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقفون في وجه ظلم الحكام والأمراء ، وربما ثاروا على المستكبرين الجبارين ، وبذلك يؤكدون على أن الدين هو العقيدة والسياسة والنظام والقضاء والعبادة والأخلاق ، وأنه يجب أن يكون رجالات الدين رجالات السياسة والإدارة والحكومة ، لا تنفصل الأولى عن الثانية ، بل السياسة من الدين داخلة فيه دخول الجزء في الكل ، فالحكومة الشرعية الرشيدة هي الحكومة التي يتولاها الفقيه مباشرة أو يكون تحت رعايته وإرشاده وأمره ونهيه . هذا وقد عرفت أن فقهاء الشيعة مع قولهم بفتح باب الاجتهاد اتفقوا خلفا عن سلف على ثبات أحكام الله تعالى ، ولا يجوزون تغيير أي حكم من أحكام الله تعالى لأحد حتى لأئمتهم الذين يقولون بعصمتهم ، ومع أن فقهاء الإمامية لا يقولون بالرأي والقياس بل يفتون بالكتاب والسنة في المسائل المستحدثة كغيرها ، ويرون أن ما أدى إليه اجتهادهم حكم الله تعالى الذي لا يتغير أبدا ، إلا أن ينكشف خطؤهم في إصابته .