إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول : إن كثيرين من الذين خرجوا على أمير المؤمنين « عليه السلام » كانوا بالنسبة إلى الكوفيين - وهم جيش علي « عليه السلام » - الأبناء ، والإخوان ، وذوي القربى . . إذن ، فقد كان من الطبيعي أن يترددوا ويتباطؤوا في الإقدام على قتال جيش يضم كثيرين من هؤلاء . فكيف إذا فرض أن يكون هذا القتال شرساً وضارياً إلى حد أن تُستأصل شأفتهم أو تكاد ؟ ! ولأجل ذلك ، ولأنه لا مجال للقصاص قبل الجناية فقد كان من الطبيعي أن يمهل علي « عليه السلام » الخوارج ، ويتركهم ، ويتحمل ما يواجهونه به من أذى ما دام أنهم لم يخلّوا بالأمن ، ولم يخرجوا عن دائرة الانضباط . أما حين ارتكبوا الجرائم والعظائم ، وأفسدوا حياة الناس ، فإن عليه من موقع كونه المسؤول الأول عن حياة الناس ، وعن أمنهم بمختلف وجوهه أن يعيد الأمور إلى نصابها ، وأن يطالبهم بإنصاف الناس من أنفسهم . حتى إذا ظهر إصرارهم على التزام خط الفساد والافساد ، لم يبادر إلى الانتقام لنفسه ، بل عفا عنهم في كل ما آذوه به ، ولكنه بالنسبة لحفظ الواقع العام أوقع بهم العقوبة الإلهية التي يستحقونها . وقد ساعد ما أظهره الخوارج من قوة وغلظة ، وإصرار على هتك الحرمات ، وعلى ارتكاب أعظم الموبقات - قد ساعد الكوفيين على تلمّس خطرهم العظيم ، وإدراك أن الناس إذا كانوا يحبون الراحة ، فإن عليهم أن يعرفوا أن الذهاب إلى حرب معاوية معناه أن يواجهوا خطرين . أحدهما : أمامهم وهو معاوية ، والآخر خلفهم وهو الخوارج .