وأما خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب الكتاب له فهو أبداً يضعّف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه . وقوله : إنّه ما استقال على التحقيق ، وإنّما نبّه على أنّه لا يبالي بخروج الأمر عنه ، وأنّه غير مكره لهم عليه ؛ فبعيد من الصواب لأنّ ظاهر قوله : « أقيلوني » أمر بالإقالة ، وأقل أحواله أن يكون عرضاً لها وبذلاً ، وكلا الأمرين قبيح ، ولو أراد ما ظنّه لكان له في غير هذا القول مندوحة ، ولكان يقول : إنّي ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي ، وما كنت أبالي ألاّ يكون هذا الأمر فيَّ ولا إليَّ ، وإنّ مفارقته لتسرّني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به ، ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جرّ ذلك علينا ما لا قبل لنا به . وأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فإنّه لم يُقِل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها ، وإنّما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلّة فكر فيه ، وعلماً بأنّ إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها ، فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدّمت واستقرت ! الطعن الثاني قال قاضي القضاة بعد أن ذكر قول عمر : « كانت بيعة أبي بكر فلتة » وقد تقدّم منّا القول في ذلك في أوّل هذا الكتاب : وممّا طعنوا به على أبي بكر أنّه قال عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ثلاثة ، فذكر في أحدها : ليتني كنت سألته : هل للأنصار في هذا الأمر حق ؟ قالوا : وذلك يدلّ على شكّه في صحة بيعته ، وربما قالوا : قد روى أنّه قال في مرضه : ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه [1] ، وليتني في ظلّة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير ، وكنت الوزير . قالوا : وذلك يدلّ على ما روى من إقدامه على بيت فاطمة عليها السّلام عند اجتماع عليّ عليه السّلام والزبير وغيرهما فيه ، ويدلّ على أنّه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه .
[1] - لقد مر الكلام في هذا في أول نصوص يجب أن تقرأ بإمعان فراجع .