هارون الرشيد قد سمع الكلام كله فقال عند ذلك : أعطانا والله من جراب النورة ! ( أي اتَّقَانَا وتكلم بدون مستند ) ويحك يا جعفر ، وكان جعفر بن يحيى جالساً معه في الستر : من يعني بهذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين يعني به موسى بن جعفر ! قال : ما عنى بها غير أهلها ! ثم عض على شفتيه وقال : مثل هذا حيٌّ ويبقى لي ملكي ساعة واحدة ؟ ! فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف ! وعلم يحيى أن هشاماً قد أُتيَ ( أي قرر هارون قتله ) فدخل الستر فقال : يا عباسي ويحك من هذا الرجل ؟ فقال : يا أمير المؤمنين حسبك ، تكفى تكفى ! ( أي أنا أقتله ) . ثم خرج إلى هشام فغمزه ، فعلم هشام أنه قد أتيَ ، فقام يريهم أنه يبول أو يقضي حاجة ، فلبس نعليه وانسل ، ومرَّ ببيته وأمرهم بالتواري ، وهرب ومرَّ من فوره نحو الكوفة ، فوافى الكوفة ونزل على بشير النبال ، وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد الله ( عليه السلام ) فأخبره الخبر ، ثم اعتل علة شديدة فقال له بشير : آتيك بطبيب ؟ قال : لا أنا ميت فلما حضره الموت قال لبشير : إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف الليل وضعني بالكناسة واكتب رقعة وقل : هذا هشام بن الحكم الذي يطلبه أمير المؤمنين ، مات حتف أنفه ! وكان هارون قد بعث إلى إخوانه وأصحابه فأخذ الخلق به ، فلما أصبح أهل الكوفة رأوه ، وحضر القاضي وصاحب المعونة والعامل والمعدلون بالكوفة ، وكتب إلى الرشيد بذلك فقال : الحمد لله الذي كفانا أمره فخلى عمن كان أُخذ به » ! ملاحظات : 1 - بلغ من اهتمام هارون بعقيدة الإمامة ، أنه أمر وزيره بعقد مجالس مناظرة في قصره ، وغرضه أن يسمع كلمة يستحل بها دم هشام ودم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) !