حذرت الرسالة من أن يفهم المرء الحرية على وجه يحولها إلى إباحية ( 5 / 13 ) . أفلا يكون لبولس فئتان من الخصوم ؟ ذلك هو الافتراض الذي يقترحه من لا يعتقدون أن أنصار الإباحية هم المسيحيون المتهودون الداعون إلى العمل بالشريعة . ولكن ليس ما يثبت أن الرسول حارب على جبهتين . ولذلك اقترح افتراض آخر ، وهو أنه قد لا يكون المسيحيون المتهودون أنصار الشريعة إلا في جانبها الطقسي ، في حين أنهم يعدون أنفسهم معفين مما تفرضه في أمور الأخلاق . فالمسألة أشبه بما ورد ذكره في الرسالة إلى أهل قولسي ( 2 / 16 - 23 ) . فالكلام يدور في الرسالتين على عبادة تستعبد الإنسان وتخضعه لأركان العالم ( غل 4 / 3 و 9 وقول 2 / 16 - 23 ) . ثم إن بولس يبدو كمن يقول لأهل غلاطية إن الذين يدعونهم إلى الختان يعودون بهم إلى عبادة كانوا يقومون بها قبل اهتدائهم ( غل 4 / 8 - 10 ) . والرسول ، من جهة أخرى ، يلح في القول أن الختان يلزم الخاضعين له الوفاء التام للشريعة ( غل 5 / 3 و 3 / 10 ) . ذلك بأن خصوم بولس كانوا يعلمون نقيض ذلك ، فإن الرسول يتهمهم صراحة في خاتمة رسالته بأنهم لا يعملون بأحكام الشريعة ، مع أنهم يفرضون الختان ( 6 / 13 ) . لهذا الافتراض ما يستهوي المرء ، ولكنه غير ملزم ، فبوسعنا أن نفهم الرسالة من غير أن نلجأ إلى هذا الافتراض . إن التحذير من الإباحية قد يفسره أن كنائس غلاطية تتألف من وثنيين مهتدين لم يتبدل تفكيرهم وسلوكهم بغتة ، فكانوا يحتاجون إلى أن يوضح لهم بولس ما هي حرية أبناء الله . وإذا كان يبدو من جهة أخرى أن بولس ساوى بين طقوس الشريعة الموسوية وطقوس الوثنية ، فلا يعني ذلك حتما أن المسيحيين المتهودين مزجوا هذه بتلك . أراد بولس أن يبين بقوله أن هذه الطقوس وتلك تعود بأهل غلاطية إلى عبودية حررهم منها المسيح . وقد بلغ الأمر ببولس إلى القول أن العودة إلى الطقوس الوثنية أفضل ، لأنها تخرج أنصارها من الكنيسة ولا تلقي فيها البلبلة بإفسادها الإنجيل ( 5 / 12 ) . [ معنى الأزمة : الخيار للإنجيل الواحد ] أثر خصوم بولس في أهل غلاطية ، فلم يروا أن إيمانهم مشوه ، إذا كان الختان شرطا للخلاص . نبه الرسول وعيهم أنه لا بد لهم من خيار عظيم الشأن . ليست المسألة شخصية ، فبولس لا يشكو من ضرر يلحق به إذا فضل عليه مبشرون آخرون ، بل المسألة هي حقيقة الإنجيل الواحد والحرية التي بشر بها بهذا الإنجيل ، وصليب المسيح الذي هو ينبوع هذه الحرية التي تمتاز بها الحياة الجديدة ، حياة أبناء الله . فالإنجيل يفسد ، حالما يشوه ما يبشر به من أن الخلاص شامل مجاني ، وحالما يزعم الإنسان أنه يخلص نفسه بأعماله ، بدل أن يتقبل بالإيمان ذلك الخلاص الذي يهبه له الله بالمسيح مجانا . فلا بد من الاختيار . فعرض بولس الخيار الذي يلزمه الإنجيل جميع الناس ، باستعماله ثلاثة أزواج من الألفاظ المتضادة .