وَالْمَظْلُومُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا إحْدَاثُهُ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ مِنْ شَخْصٍ وَظُلْمٌ لِآخَرَ بِمَنْزِلَةِ إحْدَاثِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ الَّذِي هُوَ أَكْلٌ مِنْ شَخْصٍ وَأَكْلٌ لِآخَرَ ، وَلَيْسَ هُوَ بِذَلِكَ آكِلاً وَلَا مَأْكُولاً ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَازِمِهَا أَوْ مُتَعَدٍّ بِهَا حِكَمٌ بَالِغَةٌ كَمَا لَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي خَلْقِ صِفَاتِهِمْ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَعَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَدْلِيسُ الْقَدَرِيَّةِ .وَأَمَّا تِلْكَ الْحُدُودُ الَّتِي عُورِضُوا بِهَا فَهِيَ دَعَاوَى وَمُخَالِفَةٌ أَيْضاً لِلْمَعْلُومِ مِنْ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ ، أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْإِجْمَالِ ، فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : الظَّالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً أَوْ آمِراً لَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلاً لَهُ مَعَ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ بِمَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ ، كَاقْتِصَارِ أُولَئِكَ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ فِي فِعْلِ الظُّلْمِ ، وَاَلَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ عَامُّهُمْ وَخَاصُّهُمْ أَنَّ الظَّالِمَ فَاعِلٌ لِلظُّلْمِ ، وَظُلْمُهُ فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ ، وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ .وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : مَنْ فَعَلَ مُحَرَّماً عَلَيْهِ أَوْ مَنْهِيّاً عَنْهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَالْإِطْلَاقُ صَحِيحٌ ، لَكِنْ يُقَالُ قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْهِ نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يُجْزِيَ الْمُطِيعِينَ ، وَأَنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي حَرَّمَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ ، كَمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ؛ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُحَرِّماً عَلَيْهِ ، أَوْ مُوجِباً عَلَيْهِ .فَضْلاً عَنْ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِعَقْلٍ أَوْ غَيْرِهِ .وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، هُوَ ظُلْمٌ بِلَا رَيْبٍ .وَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتْرُكُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادِلٌ لَيْسَ بِظَالِمٍ ، كَمَا يَتْرُكُ عُقُوبَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَكَمَا يَتْرُكُ أَنْ يَحْمِلَ الْبَرِيءُ ذُنُوبَ الْمُعْتَدِينَ .فَصْلٌ : قَوْلُهُ { وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا } ؛ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَرِيفُ الْقَدْرِ عَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ . وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ : هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ