وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ كِتَاباً فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي } ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُجَرَّدَ الْمُطَابِقَ لِلْعِلْمِ لَا يُبَيِّنُ وَجْهَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ، إذْ الْعِلْمُ يُطَابِقُ الْمَعْلُومَ ، فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا ، لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ ؛ لِأَنَّهُ كَتَبَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَحَرَّمَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ كَائِنٍ مَنْ كَانَ أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا وَلَا يَفْعَلُ كَذَا ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانٌ لِكَوْنِهِ مَحْمُوداً مَمْدُوحاً عَلَى فِعْلِ هَذَا ، وَتَرْكِ هَذَا ، وَلَا فِي ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ قِيَامَ الْمُقْتَضِي لِهَذَا ، وَالْمَانِعِ مِنْ هَذَا .فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمَحْضَ كَاشِفٌ عَنْ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا يَدْعُو إلَى الْفِعْلِ ، وَلَا إلَى التَّرْكِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مَانِعٌ مِنْ الْفِعْلِ ، وَكِتَابَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ دَاعِيَةٌ إلَى الْفِعْلِ .وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ كِتَابَتِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ، وَهُوَ كِتَابَةُ التَّقْدِيرِ ، كَمَا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، { أَنَّهُ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } .فَإِنَّهُ قَالَ : { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ، وَلَوْ أُرِيدَ كِتَابَةُ التَّقْدِيرِ لَكَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ ، كَمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، إذْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ الْخَبَرِ عَمَّا سَيَكُونُ ، وَلَكَانَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الْإِحْسَانِ كَمَا حَرَّمَ الظُّلْمَ .وَكَمَا أَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ فِي حَقِّنَا بَيْنَ قَوْلِهِ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .وَبَيْنَ قَوْلِهِ { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ } .وَقَوْلِهِ : { مَا أَصَابَ مِنْ