ثُمَّ إنَّ الْأَوَائِلَ هُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَجِّمِينَ الْمُشْرِكِينَ الصَّابِئِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ ، قَدْ قِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا إذَا وُلِدَ لَهُمْ الْمَوْلُودُ أَخَذُوا طَالِعَ الْمَوْلُودِ ، وَسَمَّوْا الْمَوْلُودَ بِاسْمٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا كَبِرَ سُئِلَ عَنْ اسْمِهِ أَخَذَ السَّائِلُ حَالَ الطَّالِعِ ، فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الطَّرَقِيَّةُ يَسْأَلُونَ الرَّجُلَ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أُمِّهِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ ذَلِكَ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحْوَالِهِ ، وَهَذِهِ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، مُنَافِيَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ .وَأَمَّا اخْتِيَارَاتُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الطَّالِعَ لِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ ، مِثْلُ : اخْتِيَارِهِمْ لِلسَّفَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَمَرُ فِي مِثْلِ شُرُوقِهِ وَهُوَ السَّرَطَانُ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي هُبُوطِهِ وَهُوَ الْعَقْرَبُ ، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَذْمُومِ .وَلَمَّا أَرَادَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُسَافِرَ لِقِتَالِ الْخَوَارِجِ عَرَضَ لَهُ مُنَجِّمٌ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا تُسَافِرْ ، فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ ، فَإِنَّك إنْ سَافَرْت وَالْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ هُزِمَ أَصْحَابُك ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : بَلْ نُسَافِرُ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلاً عَلَى اللَّهِ وَتَكْذِيباً لَك ، فَسَافَرَ فَبُورِكَ لَهُ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ حَتَّى قَتَلَ عَامَّةَ الْخَوَارِجِ ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا سُرَّ بِهِ ، حَيْثُ كَانَ قِتَالُهُ لَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُسَافِرْ وَالْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ } .فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ .وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " إنَّهَا صَنْعَةُ إدْرِيسَ " .فَيُقَالُ أَوَّلاً : هَذَا قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ ، وَلَا سَبِيلَ لِهَذَا الْقَائِلِ إلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ فِي كُتُبِ هَؤُلَاءِ هُرْمُسُ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ إدْرِيسُ ، وَالْهِرْمِسُ عِنْدَهُمْ اسْمُ جِنْسٍ ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ هُرْمُسُ الْهَرَامِسَةِ ، هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ عَنْ هِرْمِسِهِمْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ قَطْعاً أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مَأْخُوذاً عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ .وَيُقَالُ ثَانِياً : إنَّ هَذَا إنْ كَانَ مَأْخُوذاً عَنْ إدْرِيسَ ، فَإِنَّهُ كَانَ مُعْجِزَةً لَهُ وَعِلْماً أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، فَيَكُونُ مِنْ الْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ ، وَهَؤُلَاءِ مَا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ ، لَا بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ