وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْرِفَ فِي صَبِّ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقاً .وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ يُنْهِي عَنْهُ لِحَقِّ الْحَمَّامِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِيهَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ قِيمَةٌ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ السُّنَّةَ فِي طَهَارَتِهِ ، فَلَا يَجْفُو جَفَاءَ النَّصَارَى ، وَلَا يَغْلُو غُلُوَّ الْيَهُودِ ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْوَسْوَسَةِ ، بَلْ حِيَاضُ الْحَمَّامِ طَاهِرَةٌ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِضَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُنْبُوبُ تَصُبُّ فِيهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَسَوَاءٌ بَاتَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يَبِتْ ، وَسَوَاءٌ تَطَهَّرَ مِنْهَا النَّاسُ أَوْ لَمْ يَتَطَهَّرُوا ، فَإِذَا اغْتَسَلَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ جَازَ ذَلِكَ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَامْرَأَتُهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، قَدْرَ الْفَرَقِ } .فَهَذَا إنَاءٌ صَغِيرٌ لَا يُفِيضُ ، وَلَا أُنْبُوبَ فِيهِ ، وَهُمَا يَغْتَسِلَانِ مِنْهُ جَمِيعاً .وَفِي لَفْظٍ : { فَأَقُولُ دَعْ لِي ، وَيَقُولُ دَعْ لِي } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } .وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضاً : { أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ } .وَالصَّاعُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ بِالرَّطْلِ الْمِصْرِيِّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ ، نَحْوُ خَمْسَةٍ إلَّا رُبُعاً ، وَالْمُدُّ رُبُعُ ذَلِكَ .وَقِيلَ : هُوَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ أَرْطَالٍ بِالْمِصْرِيِّ .وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ الطَّامَّةُ إذَا وَقَعَتْ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ تَنَجَّسَتْ ، فَإِنَّ أَرْضَ الْحَمَّامِ الْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ نَجَاسَةٍ : كَبَوْلٍ ، فَهُوَ يَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُهُ ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالاً مِنْ الطُّرُقَاتِ بِكَثِيرٍ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ ، بَلْ كَمَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَرْضِهَا نَجَاسَةً ، فَكَذَلِكَ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْمَاءَ يَعُمُّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا يَجْزِمُ عَلَى بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ إنْ لَمْ يَعْلَمْ حُصُولَ النَّجَاسَةِ فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .