وَلِهَذَا { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهَا يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ ، وَالنَّتْنُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } وَقَالَ فِي حَدِيثٍ الْقُلَّتَيْنِ { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ { لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .فَقَوْلُهُ { لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } : بَيَّنَ أَنَّ تَنْجِيسَهُ بِأَنْ يَحْمِلَ الْخَبَثَ ، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْخَبَثُ فِيهِ مَحْمُولاً ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ الْخَبَثِ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ .فَصْلٌ وَإِذَا عُرِفَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَالْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا ، كَالْخَمْرِ لَمَّا كَانَ الْمُوجِبُ لِتَحْرِيمِهَا وَنَجَاسَتِهَا هِيَ الشِّدَّةَ ، فَإِذَا زَالَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ طَهُرَتْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا زَالَتْ بِقَصْدِ الْآدَمِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْكُلُوا خَلَّ خَمْرٍ ، إلَّا خَمْراً بَدَأَ اللَّهُ بِفَسَادِهَا ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مُسْلِمٍ أَنْ يَشْتَرِيَ خَلّاً مِنْ خَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا فَسَادَهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اقْتِنَاءَ الْخَمْرِ مُحَرَّمٌ ، فَمَنْ قَصَدَ بِاقْتِنَائِهَا التَّخْلِيلَ كَانَ قَدْ فَعَلَ مُحَرَّماً ، وَالْفِعْلُ الْمُحَرَّمُ لَا يَكُونُ سَبَباً لِلْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ ، وَأَمَّا إذَا اقْتَنَاهَا لِشُرْبِهَا ، وَاسْتِعْمَالِهَا خَمْراً فَهُوَ لَا يُرِيدُ تَخْلِيلَهَا ، وَإِذَا جَعَلَهَا اللَّهُ خَلّاً كَانَ مُعَاقَبَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، فَلَا يَكُونُ فِي حِلِّهَا وَطَهَارَتِهَا مَفْسَدَةٌ .وَأَمَّا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ : فَيَجُوزُ التَّعَمُّدُ لِإِفْسَادِهَا ، لِأَنَّ إفْسَادَهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، كَمَا لَا يُحَدُّ شَارِبُهَا ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا بِمُقَارَبَتِهَا الْمَحْظُورَ كَمَا يُخَافُ مِنْ مُقَارَبَةِ الْخَمْرِ ، وَلِهَذَا جَوَّزَ الْجُمْهُورُ أَنْ تُدْبَغَ جُلُودُ الْمَيْتَةِ ، وَجَوَّزُوا أَيْضاً إحَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالنَّارِ وَغَيْرِهَا .وَالْمَاءُ لِنَجَاسَتِهِ سَبَبَانِ .أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .