وَالْمَاءِ الْمُنَجَّسِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ النُّصُوصُ ، وَالْإِجْمَاعُ الْقَدِيمُ ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى بُطْلَانِهِ .وَعَلَى هَذَا فَجَمِيعُ هَذِهِ الْمِيَاهِ الَّتِي فِي الْحِيَاضِ ، وَالْبِرَكِ الَّتِي فِي الْحَمَّامَاتِ ، وَالطُّرُقَاتِ ، وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَفِي الْمَدَارِسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ : لَا يُكْرَهُ التَّطَهُّرُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ سَقَطَ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ أَمْرٍ ثَبَتَتْ فِيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرُّخْصَةِ ، لِأَجْلِ شُبْهَةٍ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ جَوَابُ السَّائِلِ عَنْ : الْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ بَدَنِ الْجُنُبِ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ ، وَأَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْهُ ، أَوْ عَنْ مُلَامَسَتِهِ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فِي ذَلِكَ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ مَسَّ مُغْتَسِلاً لَمْ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ .وَأَمَّا الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ فَلَيْسَ يَنْجُسُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يُنَجِّسُهُ ، وَأَمَّا كَرَاهَتُهُ فَفِيهَا نِزَاعٌ ، لَا كَرَاهَةَ فِيهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُمَا .وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لَهَا مَأْخَذَانِ .أَحَدُهُمَا : احْتِمَالُ وُصُولِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ فَيَبْقَى مَشْكُوكاً فِي طَهَارَتِهِ شَكّاً مُسْتَنِداً إلَى أَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ ، فَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ مَتَى كَانَ بَيْنَ الْوُقُودِ وَالْمَاءِ حَاجِزٌ حَصِينٌ كَمِيَاهِ الْحَمَّامَاتِ لَمْ يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ .وَهَذِهِ طَرِيقَةُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ : كَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَغَيْرِهِمَا .وَالثَّانِي : أَنَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ كَوْنُهُ سُخِّنَ بِإِيقَادِ النَّجَاسَةِ ، وَاسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ ؛ وَالْحَاصِلُ بِالْمَكْرُوهِ مَكْرُوهٌ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ .فَعَلَى هَذَا إنَّمَا الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ التَّسْخِينُ حَصَلَ بِالنَّجَاسَةِ .فَأَمَّا إذَا كَانَ غَالِبُ الْوُقُودِ طَاهِراً ، أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ