فَلَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَأَى أَنَّ الْأُمُورَ قَدْ تَغَيَّرَتْ ، طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوهُ يَرْجِعُ ، أَوْ يَلْحَقَ بِبَعْضِ الثُّغُورِ ، أَوْ يَلْحَقَ بِابْنِ عَمِّهِ يَزِيدَ ، فَمَنَعُوهُ هَذَا وَهَذَا .حَتَّى يَسْتَأْسِرَ ، وَقَاتَلُوهُ فَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ .وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ ، مَظْلُوماً شَهِيداً شَهَادَةً أَكْرَمُهُ اللَّهُ بِهَا وَأَلْحَقَهُ بِأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .وَأَهَانَ بِهَا مَنْ ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ ، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ شَرّاً بَيْنَ النَّاسِ .فَصَارَتْ طَائِفَةٌ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ : إمَّا مُلْحِدَةٌ مُنَافِقَةٌ ، وَإِمَّا ضَالَّةٌ غَاوِيَةٌ ، تُظْهِرُ مُوَالَاتَهُ ، وَمُوَالَاةَ أَهْلِ بَيْتِهِ تَتَّخِذُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ وَنِيَاحَةٍ ، وَتُظْهِرُ فِيهِ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لَطْمِ الْخُدُودِ ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ ، وَالتَّعَزِّي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ .وَاَلَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فِي الْمُصِيبَةِ - إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً - إنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ وَالِاحْتِسَابُ وَالِاسْتِرْجَاعُ .كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ } .وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ مِنَّا مِنْ لَطَمَ الْخُدُودَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ } .وَقَالَ : { أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ ، وَالْحَالِقَةِ ، وَالشَّاقَّةِ } .وَقَالَ : { النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ } .وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ ، فَيَذْكُرُ مُصِيبَتَهُ وَإِنْ قَدِمَتْ ، فَيُحْدِثُ لَهَا اسْتِرْجَاعاً إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِهِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا } .