وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَالَ عَقْلُهُمْ بِمِثْلِ هَذَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُوَحِّدِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ ، وَمَنْ ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ عُقَلَاءِ الْمَجَانِينِ الَّذِينَ ذَكَرُوهُمْ بِخَيْرٍ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ ثُمَّ زَالَتْ عُقُولُهُمْ .وَمِنْ عَلَامَةِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ إذَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ جُنُونِهِمْ نَوْعٌ مِنْ الصَّحْوِ تَكَلَّمُوا بِمَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ ، لَا بِالْكُفْرِ وَالْبُهْتَانِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ إذَا حَصَلَ لَهُ نَوْعُ إفَاقَةٍ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَيَهْذِي فِي زَوَالِ عَقْلِهِ بِالْكُفْرِ ، فَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ كَافِراً لَا مُسْلِماً .وَمَنْ كَانَ يَهْذِي بِكَلَامٍ لَا يُعْقَلُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ التُّرْكِيَّةِ أَوْ الْبَرْبَرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لِبَعْضِ مَنْ يَحْضُرُ السَّمَاعَ ، وَيَحْصُلُ لَهُ وَجْدٌ يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى يَهْذِيَ بِكَلَامٍ لَا يُعْقَلُ ، أَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ الشَّيْطَانُ ، كَمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ .وَمَنْ قَالَ إنَّ هَؤُلَاءِ أَعْطَاهُمْ اللَّهُ عُقُولاً وَأَحْوَالاً ، فَأَبْقَى أَحْوَالَهُمْ ، وَأَذْهَبَ عُقُولَهُمْ ، وَأَسْقَطَ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ بِمَا سَلَبَ ، قِيلَ : قَوْلُك وَهَبَ اللَّهُ لَهُمْ أَحْوَالاً كَلَامٌ مُجْمَلٌ ، فَإِنَّ الْأَحْوَالَ تَنْقَسِمُ إلَى : حَالٍ رَحْمَانِيٍّ ، وَحَالٍ شَيْطَانٍ ، وَمَا يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ مِنْ خَرْقِ عَادَةٍ بِمُكَاشَفَةٍ وَتَصَرُّفٍ عَجِيبٍ ، فَتَارَةً يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مَا يَكُونُ لِلسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ ، وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الرَّحْمَنِ مِنْ جِنْسِ مَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَالْإِيمَانِ ، فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ فِي حَالِ عُقُولِهِمْ كَانَتْ لَهُمْ مَوَاهِبُ إيمَانِيَّةٌ ، وَكَانُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ عُقُولُهُمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الْفَرَائِضُ بِمَا سُلِبَ مِنْ الْعُقُولِ ، وَإِنْ كَانَ مَا أُعْطُوهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ كَمَا يُعْطَاهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابُ وَالْمُنَافِقُونَ ، فَهَؤُلَاءِ إذَا زَالَتْ عُقُولُهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِذَلِكَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ ، كَمَا لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُونَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى .كَمَا أَنَّ نَوْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَمَوْتَهُ وَإِغْمَاءَهُ لَا يُزِيلُ حُكْمَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ زَوَالِ عَقْلِهِ مِنْ إيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ أَوْ كُفْرِهِ وَفِسْقِهِ بِزَوَالِ الْعَقْلِ غَايَتُهُ أَنْ يَسْقُطَ التَّكْلِيفُ ، وَرَفْعُ الْقَلَمِ لَا يُوجِبُ حَمْداً وَلَا مَدْحاً وَلَا ثَوَاباً ، وَلَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ بِسَبَبِ زَوَالِ عَقْلِهِ مَوْهِبَةٌ مِنْ مَوَاهِبِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، وَلَا كَرَامَةٌ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ ، بَلْ قَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ