الْمُنْكَرِ ، وَالدُّعَاءِ إلَى سَبِيلِ الرَّبِّ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالْمُجَادَلَةِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ .وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ ، فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ قَدْرِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ ، وَمَا أُمِرَ بِهِ أَعْيَانُهُمْ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ سَمَاعِ بَعْضِ الْعِلْمِ ، أَوْ عَنْ فَهْمِ دَقِيقِهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النُّصُوصَ وَفَهِمَهَا مِنْ عِلْمِ التَّفْصِيلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ وَالْمُجَادِلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ .وَأَمَّا قَوْلُهُ : هَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا يَصِلُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْقَطْعِ ؟فَيُقَالُ : الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلُ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ الَّتِي قَدْ يُسَمُّونَهَا مَسَائِلَ الْأُصُولِ يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهَا جَمِيعِهَا ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال فِيهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُفِيدُ الْيَقِينَ ، وَقَدْ يُوجِبُونَ الْقَطْعَ فِيهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، فَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا .ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَمَّا أَوْجَبُوهُ ، فَإِنَّهُمْ كَثِيراً مَا يَحْتَجُّونَ فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَهَا قَطْعِيَّاتٍ ، وَتَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْأُغْلُوطَاتِ ، فَضْلاً عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الظَّنِّيَّاتِ ، حَتَّى أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ كَثِيراً مَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ حُجَّةٍ فِي مَوْضِعٍ ، وَيَقْطَعُ بِبُطْلَانِهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ غَايَةُ كَلَامِهِ كَذَلِكَ ، وَحَتَّى قَدْ يَدَّعِي كُلٌّ مِنْ الْمُتَنَاظِرَيْنِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِنَقِيضِ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ .وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ وَجَبَ فِيهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وَقَوْلِهِ : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك } ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِهِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ مُعَلَّقٌ بِاسْتِطَاعَةِ الْعَبْدِ ، كَقَوْلِهِ : { فَاتَّقُوا