بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يَقُلْ : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمْكُمْ ، وَلَا قَالَ : فَيُعَلِّمْكُمْ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْعَطْفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ سَبَبُ الثَّانِي .وَقَدْ يُقَالُ : الْعَطْفُ قَدْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاقْتِرَانِ وَالتَّلَازُمِ ، كَمَا يُقَالُ زُرْنِي وَأَزُورُك ، وَسَلِّمْ عَلَيْنَا وَنُسَلِّمْ عَلَيْك ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي اقْتِرَانَ الْفِعْلَيْنِ ، وَالتَّعَاوُضُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِسَيِّدِهِ اعْتِقْنِي وَلَك عَلَيَّ أَلْفٌ ، أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا : طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ .أَوْ : اخْلَعْنِي وَلَك أَلْفٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا : بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ .وَكَذَلِكَ أَيْضاً لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ ، أَوْ : أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ ، فَإِنَّهُ كَقَوْلِهِ : عَلَى أَلْفٍ ، أَوْ : بِأَلْفٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَيَقُولُ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ لِلْآخَرِ : أُعْطِيك هَذَا وَآخُذُ هَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ ، فَيَقُولُ الْآخَرُ : نَعَمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا هُوَ السَّبَبَ لِلْآخَرِ دُونَ الْعَكْسِ .فَقَوْلُهُ : { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ } ، قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَكُلٌّ مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ ، وَتَقْوَى الْعَبْدِ يُقَارِبُ الْآخَرَ وَيُلَازِمُهُ وَيَقْتَضِيهِ ، فَمَتَى عَلَّمَهُ اللَّهُ الْعِلْمَ النَّافِعَ اقْتَرَنَ بِهِ التَّقْوَى بِحَسَبِ ذَلِكَ ، وَمَتَى اتَّقَاهُ زَادَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَهَلُمَّ جَرّاً .فَصْلٌ :وَأَمَّا قَوْلُهُ : { يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، وَكُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ } فَيَقْتَضِي أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ : أَحَدُهُمَا .وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي الرِّزْقِ الْمُتَضَمِّنِ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ ، كَالطَّعَامِ ، وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ كَاللِّبَاسِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ قُدْرَةً مُطْلَقَةً .وَإِنَّمَا الْقُدْرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعِبَادِ تَكُونُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .وَقَالَ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } .فَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الْمَقْدُورُ لِلْعِبَادِ .وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا