وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به [1] لقيل لي : أنت ممن تعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا وفي الأخبار المستفيضة : ( إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان . ) [2] ، وغير المتحمل لا يلزم أن يكون غير مؤمن ، بل من لم يمتحن قلبه أعم منه ، ومن المعلوم أن من لم بتحمل أمرهم ينسب المتحمل إلى الزندقة أو الكفر ، كما لا يخفى . وأما ثالثا : فلأن هذا التوجيه لا ربط له بصدر الحديث من ذكر التقية وتفريع ذلك على تشديد الأمر فيها بالإشارة ، مع ما بينهما من المؤاخاة والمصاحبة ، وقوله عليه السلام أخيرا : ( فما ظنك بسائر الخلق ) ، فافهم . وأما رابعا : فلأن هذا التأويل يأباه صريحا قول علي عليه السلام لأبي ذر كما يأتي : ( لو حدثك ( سلمان ) بما يعلم ، لقلت : رحم الله قاتل سلمان . ) [3] ، وكذا قول النبي صلى الله عليه وآله : ( لو عرض علمك على مقداد لكفر - الخبر . ) [4]
[1] باح إليه بالسر : أظهره . [2] بصائر الدرجات : 46 ، بحار الأنوار 2 : 471 ، أحببت في هذا المقام نقل ما قيل في بيان هذه الأخبار : إن نسبة الأمر إليهم عليهم السلام يتصور على وجهين : مطلق شؤونهم أو مقام الذي خصهم الله تعالى به دون ساير خلقه ، لكن الأقرب في النظر بل المتعين عند البصير هو الثاني ، والمراد بالمؤمن الممتحن هو الذي لا يزيغ قلبه بسبب تهاجم أسباب الشك والارتياب ، والحاصل من الأخبار إن الاحتمال المقصود في كلماتهم يتقوم بثلاثة أمور : معرفة أمورهم وفضلهم ، قبولها والتسليم لها ، صونها عن غير أهلها ، ولما كان بعض الملائكة والنبيين بحسب مراتبهم قاصرين عن معرفة بعض خصائص الأئمة وغرائب فضائلهم قال عليه السلام : ( لا يحتمله إلا ملك مقرب - الخ ) ، فإن عدم احتمالهم إنما هو من حيث قصورهم عن المعرفة ببعض ما خص الله تعالى به محمدا وآله المعصومين لا من حيث عدم التسليم ، فإنه كفر بالله العظيم ، بل لهم أسرار وعلوم لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وفي رواية : ( سمعت الصادق عليه السلام يقول : إن من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن ، قلت : فمن يحتمله ؟ قال عليه السلام : نحن نحتمله . ) [3] إختيار معرفة الرجال : 5 . [4] مر عن الإختصاص : 11 .