الحجة والدليل لها محلها في العقل البشري ، فالإنسان مهما أنكر من الحجة والبرهان تضل نفسه في حالة الشك والريبة لأنه منهزم برهانيا وإن كابر وعاند ، فهذا إبراهيم ( عليه السلام ) يتبع هذه الحجة العملية مع القوم عندما خرجوا إلى عبادة لهم خارج المدينة وظلت معابدهم محروسة بتلك القوة الغيبية التي تمثلها الأصنام في اعتقادهم فراغ إبراهيم ( عليه السلام ) يكسر تلك الجثث الهامدة بيمينه القوية المستمدة قوتها من الله تعالى فصور لنا القرآن تلك الحركات والضربات للشياطين المنصوبة على الأرض فقال : * ( فراغ عليهم ضربا باليمين ) * [1] فهو يضربهم بقوة لا تعتريها شك ، قوة إيمانية متأصلة في نفسه * ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ) * [2] فنصب لهم إبراهيم الحجة والبرهان عندما كسر أصنامهم نصبها لهم على عنق كبيرا لهم ، فلما عادوا إلى المدينة ورأوا الذي حصل لم يفكروا بعقولهم بل راحت العصبية تسري في دمائهم فجاءوا بإبراهيم * ( قالوا أأنت فعلت بآلهتنا يا إبراهيم ) * [3] فأجاب ( عليه السلام ) : * ( قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) * [4] قال لهم ذلك والكل يعلم أنهم جثث هامدة لا تقدم ولا تؤخر ، فإذا كانوا ينطقون اسألوهم ، اسألوهم هل يملكون تلك الحاسة - حاسة النطق - أم لا ؟ فإن نطقوا فعله كبيرهم وإلا فلا ؟ فوقف القوم حيارى لا يعلمون ماذا يقولون بل قدحت في عقولهم قدحه للتفكير والاستدلال هل هؤلاء يتحركون وينطقون أم لا ؟ هل هم أحياء أم أموات لا حياة لهم ؟ . فهذه حجة عملية نصبها لهم إبراهيم ( عليه السلام ) أمام أعينهم ولكن هيهات من حكم شهوته جنى على عقله .