وقال القوم فيما ائتمروا به : الشأم . فقال عبد الله بن عامر : قد كفاكم الشأم من يستمر في حوزته ، فقال له طلحة والزبير : فأين ؟ قال البصرة ، فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى ، قالوا : قبحك الله ! فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب ، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك ، ونأتي الكوفة فنسد على هؤلاء القوم المذاهب ! فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا ، حتى إذا استقام لهم الرأي على البصرة قالوا : يا أم المؤمنين ، دعي المدينة فإن من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها ، واشخصي معنا إلى البصرة ، فإنا نأتي بلدا مضيعا ، وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي بن أبي طالب فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة ثم تقعدين ، فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين ، وإلا احتسبنا ودفعنا عن هذا الامر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد . فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيما إلا بها - قالت : نعم ، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معها على قصد المدينة ، فلما تحول رأيها إلى البصرة تركن ذلك ، وانطلق القوم بعدها إلى حفصة فقالت : رأيي تبع لرأي عائشة ، حتى إذا لم يبق إلا الخروج ، قالوا : كيف نستقل وليس معنا مال نجهز به الناس ! فقال يعلي بن أمية : معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها . وقال ابن عامر : معي كذا وكذا فتجهزوا به . فنادى المنادي : إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ، ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة . فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب - وكانوا جميعا ألفا - وتجهزوا بالمال ، ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين . وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد ، فقعدت ، وبعثت إلى عائشة : أن عبد الله حال بيني وبين الخروج ، فقالت : يغفر الله لعبد الله ! وبعثت أم الفضل بنت الحارث رجلا من جهينة يدعى ظفرا ، فاستأجرته على أن يطوي ويأتي عليا بكتابها ، فقدم على علي بكتاب أم الفضل بالخبر .