الجانب الإلهي فيها وهو الايمان بوجود الله تعالى ووحدانيته وصفاته ، وهذا جانب يمكن أن يعتمد في معرفته على العقل والدليل والبرهان . والجانب الاخر الذي يعبر عن ارتباط الداعية ( الرسول ) بالله سبحانه وصدوره عن أمره تعالى ، وهذا الجانب قد لا يمكن اثباته مبدئيا إلا عن طريق المعجزة [1] ، فالمعجزة تعبير عن الاستجابة إلى الحاجة في هذا الجانب من الدعوة - كما شرحنا ذلك في بحث المعجزة - بخلاف الجانب الأول الذي يمكن فيه الاعتماد على أسلوب الأدلة والبراهين المنطقية والوجدانية . وعلى هذا الأساس أيضا لم يترك الأنبياء هذه الأدلة المنطقية والوجدانية في مخاطبتهم للناس بالدعوة إلى الله وتوحيد الاله ، ولم يكتفوا بالاتيان بالمعجزات على أساس أنها الدليل الوحيد لاثبات ذلك وإن كنا لا ننكر ما للمعجزة من تأثير كبير في الجانب الأول من العقيدة أيضا . وفي قصة موسى نجد في الموضوعات التي تحدثت عنها القصة هذه الأساليب والأدلة وأكدتها في مواضع عديدة ، حيث تناولت بعض الأدلة والبراهين التي اعتمدها موسى في مخاطبة فرعون إضافة إلى المعجزات . بل نجد أن هذه المخاطبة ( مخاطبة العقل والوجدان ) جاءت قبل أن يستند موسى إلى دليل آخر من الآيات والمعجزات لان التسلسل المنطقي للتفكير والانفعال كان يفرض ذلك ، فان النبي يخاطب العقل والوجدان في بداية الامر ، ثم يعمل بعد ذلك على كسر الحواجز النفسية والروحية التي تمنع العقل والوجدان من الادراك والفهم .
[1] قد يكون اخبار النبي وهو انسان عاقل وموثوق ، وعلى مستوى عال من الكمال كافيا في تصديقه والايمان به ، ولكن هذا الامر لا يمكن أن يكون عاما ، لأنه قد يكون في موضع الاتهام ولذا احتاج الأنبياء إلى المعجزة .