والتكوين ، على نحو لا بد معه من حصول السميعية والبصيرية التي هي من مظاهر الإدراك والشعور والوعي العميق ، والفهم للدقائق . .
فهذه الحتمية ، وذلك الترديد في الحصول تعطينا أن هذه الأمشاجية ليست من ذلك النوع الآنف الذكر ، بل هي من نوع آخر .
ثانياً : إن هذا النوع من البلاء والابتلاء ، يترتب عليه صيرورة الإنسان سميعاً بصيراً ، كما دلت عليه فاء التفريع في قوله : * ( فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعَاً بَصِيِرَاً ) * . . وليس ما ذكر آنفاً مما يترتب عليه ذلك ، لعدم وجود سنخية بين تلك الابتلاءات وبين هذه النتيجة . .
كما أنه ليس المراد أن هذا الابتلاء قد أوجب أن يجعل الله له حاسة السمع والبصر ، إذ لو كان كذلك لقال : « فجعلناه سامعاً مبصراً » . .
بل المراد : أنه قد جعل له رهافة السمع وشدته ، وقوة البصر وحدته ، بعد الفراغ عن أصل وجود تلك الحاسة لديه . . والرهافة إنما هي من أوصاف حاسة السمع والبصر في مجال العمل . . ولكن لا لمجرد آليتهما التي تربط بين الإنسان ، وبين الأشياء ، ثم تغيب عنه ، ليتدبر أمره معها ، بل من حيث دورهما في عمق إدراكه للحقائق ، وشدة حساسيته تجاهها وتجاه كل حالاتها وخصائصها . .
فاتضح : أن النشأة للمزايا والكمالات المادية الحيوانية ، الكامنة في النطفة من حيث تكوينها الذاتي التي اكتسبتها النطفة عن طريق الوراثة ، وهي مرحلة يشارك فيها الإنسان غيره من الحيوانات - إن هذه النشأة - ليست هي المقصودة في هذه الآية ، بل المقصود هو أن تلك النطفة تحمل في داخلها مزايا أخرى ، تختص بإنسانية الإنسان ، ومنها تتكون فطرته الإنسانية ، فهذه النطفة ، بهذا اللحاظ ، هي التي اختلطت ، وتفاعلت ،
