وتقرّر عند أهل العلم أنّه لم تر حرب في جاهلية ولا إسلام أصعب ولا أشدّ من حرب صفين ، ولا سيّما ما جرى من ذلك ليلة الهرير ، حتى فات أهل الشام فيها الصلاة ، وصلَّى أهل العراق بالتكبير والتهليل والتسبيح ، بدلا من الركوع والسجود والقراءة ، لما كانوا عليه من الاضطرار [ الاضطراب ] بتواصل اللقاء في القتال ، حتّى كلَّت السيوف بينهم لكثرة الضراب ، وفنى النبل ، وتكسّرت الرماح بالطعان ، ولجأ كلّ امرئ منهم عند عدم سلاحه إلى قتال صاحبه بيده وفمه ، حتى هلك جمهورهم بما وصفناه ، وانكشفت الحرب بينهم عن قتل نيف وعشرين ألف إنسان على قول المقلّ أيضا ، وضعف هذا العدد أو قريب من الضعف على قول آخرين بحسب اختلافهم في الروايات .
فأمّا أهل النهروان ، فقد بلغ وظهر من شدّتهم وبأسهم وصبرهم على القتال مع أمير المؤمنين عليه السّلام بالبصرة والشام ، ما لم يرتب فيه من أهل العلم اثنان ، وظهر من إقدامهم بعد التحكيم على قتل النفوس والاستسلام للموت والبأس والنجدة ما يغني أهل العلم به عن الاستدلال عليه ، والاستخراج لمعناه ، ولو لم يدلّ على عظم بأسهم وشدّتهم في القتال إلَّا أنّهم كانوا بالاتّفاق أربعة الأف إنسان ، فصبروا على اللقاء حتّى قتل سائرهم سوى أربعة أن فس شذّوا منهم على ما جاءت به الأخبار .
ولم يجر أمر أبي بكر وعمر في الدعوة مجرى أمير المؤمنين عليه السّلام ، لأنّهما كانا مكتفيين بطاعة الجمهور لهما ، وانقياد الجماعات إلى طاعتهما ، وعصبية الرجال لهما ، فلم يظهر من دعائهما إلى قتال من سيّر إليه الجيوش ما ظهر من أمر أمير المؤمنين عليه السّلام في الاستنفار والترغيب في الجهاد والترهيب من تركه والاجتهاد في ذلك والنكير له حالا بعد حال ، لتقاعد الجمهور عن نصرته ، وخذلان من خذله من أعدائه ، الشاكّين في أمره والمعاندين له ، وما مني به من تمويه خصومه وتعلَّقهم في استحلال قتاله بالشبهات .
ثم لم يبن من شدّة أهل الردّة وفارس مثل ما ذكرناه من أهل البصرة والشام والنهروان على ما شرحناه ، بل ظهر منهم خلاف ذلك ، لسرعة انفضاضهم عمّن لقيهم من أهل الإسلام ، وتفرّقهم وهلاكهم بأهون سعى ، وأوحى [1] مدّة ، وأقرب مؤنة ، على