ثم دارت الأيام ، وحدث الانقلاب الخطير بنفوذ الغرب ، وسيطرته على البلاد الاسلامية ، فاتجه أول ما اتجه إلى شريعة القرآن ، ومحا أثرها من دور القضاء ، وأبدلها بالقانون الوضعي الفرنسي والانكليزي ، وألغى تعلم العقائد والأخلاق الدينية من مناهج التعليم ، وأفسح المجال للميسر والفجور ، وحانات الخمور ، ولكل ما من شأنه أن يشل العقيدة والأخلاق ، فاختفت سمات القرآن والسنة النبوية من الحياة الاجتماعية ، حتى اللغة العربية أصابها ما أصاب العقيدة والشريعة ، فكان هذا الجيل الجديد الذي لا يهتم بعقيدة ولا خلق ، وهو في الواقع نتاج للأوضاع الفاسدة التي نشأ فيها ، وربّي عليها ، فمن الطبيعي أن يكون انعكاسا لها ، ومن الخطأ ان ننظر إلى الجيل مستقلا عن مجتمعه وبيئته . . وحقا ما قاله الفلاسفة :
ان المعلول اظهار لعلته .
العلاج :
وتسأل : لقد وصفت الداء ، فما هو الدواء ؟
والحق ان الجواب عن هذا السؤال لا ينبغي أن ينفرد به مثقف واحد ، ولا بدّ أن تمعن فيه وتتلاقى عقول كبيرة ومخلصة ، لأن الأخلاق والعادات إذا حلت في بيئة وطال عليها الأمد تصبح حقيقة واقعة تنزع إلى البقاء والاستمرار ، وليس استئصالها بالشيء اليسير . . انها تعمل في عالم النفوس تماما كما تعمل الأسباب الطبيعية في عالم الطبيعة ، ويحتاج تغييرها إلى جهد وجهاد طويل وشاق من نوع الجهد الذي بذله الرسول الأعظم ( ص ) لتغيير عادات أهل الجاهلية وعقائدهم . .
وقد جاءت الإشارة في الأحاديث إلى ذلك ، منها : « بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ » . إذن ، لن يؤوب من غربته ، وتقر عيناه في عودته إلا بقائد كالنبي محمد ( ص ) ، وأصحاب كالمهاجرين والأنصار . . وليس على اللَّه بعزيز أن يتيح الظروف ليوم يعود فيه سلطان القرآن ، وشريعة القرآن ، وأخلاق القرآن .
ولكن علينا أن نعمل جهد المستطيع ، ولا ننتظر معجزة السماء ، والعمل الذي نستطيعه الآن - كما يبدو لي - هو :
أولا : أن نجعل للدين في المدارس مكانا مرموقا ، بخاصة لقراءة القرآن وحفظه وتفسيره ، لأنه حجر الأساس . فإذا رفض ذلك القائمون على شؤون التعليم