قوله تعالى ( يسألونك عن الخمر ) الآية . قال محمود رحمه الله ( نزلت في الخمر أربع آيات بمكة الخ ) قال أحمد : ويظهر لي سر واقع مما ذكره في هذا الغرض ، وذلك أن السؤال الأول من الأسئلة المقرونة بالواو عين السؤال الأول من الأسئلة المجردة عن الواو ، ولكن وقع جوابه أولا بالمصرف لأنه الأهم وإن كان المسؤول عنه إنما هو المنفق لا وجه مصرفه . ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريح بالمسؤول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحا ، فقيل العفو : أي الفاضل من النفقة الواجبة على العيال أو نحو ذلك حيثما ورد في تفسيره ، فتعين إذا اقتران هذا السؤال بالواو وليرتبط بالأول ، ويحتمل أنهم لما أجيبوا أو لا ببيان جهة المصرف ولم يصرح لهم بالجواب على عين المنفق ما هو أعاد السؤال لكي يتلقوا جوابه صريحا فتعين دخول الواو . وأما السؤال الثاني من الأسئلة المقرونة بالواو فقد وقع عن أحوالهم مع اليتامى وهل يجوز لهم مخالطتهم في النفقة والكسوة والسكوني ، وقد كانوا يتحرجون من ذلك في الجاهلية ، فلما كان مناسبا للسؤال عن الانفاق باعتبار المنفق وباعتبار جهة المصرف عطف عليه ليكمل لهم بيان المشروعية في النفقة وآدابها الدينية بيانا شافيا ، لأنه قد اجتمع في علمهم ما ينفقون وفيم ينفقون وعلى أي حالة ينفقون من مخالطة اليتيم وانفراد عنه . وأما السؤال الثالث منها وهو الواقع عن النساء الحيض فقد ورد أنهم في الجاهلية كانوا يعتزلون الحيض في المؤاكلة والمساكنة يقتدون في ذلك باليهود فسألوا السؤال المذكور ، كما كانوا يعتزلون اليتامى في المساكنة والمؤاكلة تحرجا جاهليا ، وكان بين هذين السؤالين تناسب كما ترى ، فحسن أن يعطف الاخر على ما قبله تنبيها على ما بينهما من المشاكلة والله أعلم . وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة عن الواو لم تجد بينها مداناة ولا مناسبة البتة ، إذ الأول منها عن النفقة ، والثاني عن القتال في الشهر الحرام ، والثالث عن الخمر والميسر ، فبين هذه الأسئلة من التباين والتقاطع مالا يخفى ، فذكرت كذلك مرسلة متعاطفة غير مربوطة بعضها ببعض ، فتنبه لهذا السر فإنه بديع لا تجده يراعى الا في الكتاب العزيز لاستيلائه على أسرار البلاغة ونكت الفصاحة ، ولا تستفاد منه الا بالتنقب في صناعة البيان وعلم اللسان . وقد اشتمل جواب الزمخشري المقدم على وهم أنبه عليه ، وذلك أنه قال : الأسئلة الثلاثة الأخيرة وقعت في وقت واحد ، وكانت في حكم السؤال الواحد فربط بعضها ببعض بالواو ، وهذا يقتضى كما ترى أن يقترن السؤال الثاني والثالث بالواو خاصة دون الأول ، إذ الواو إنما يربط ما بعدها بما قبلها ، فاقترانها بالأول لا يربطه بالثاني وانما يربطه بما قبله ، وعلى هذا تكون الأسئلة التي وقعت في وقت واحد أربعة أسئلة لا ثلاثة خاصة ، وقد قال : إن الأسئلة المرتبطة الواقعة في وقت واحد هي الثلاثة الأخيرة فهو وأهم بلا شك ، وكل مأخوذ من قوله : ومتروك الا المعصوم .
