قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا ، وهكذا ورد في ذم الكبر والاختيال والفخر ما هو معروف .
قوله ( الذين يبخلون ) هم في محل نصب بدلا من قوله ( من كان مختالا ) أو على الذم ، أو في محل رفع على الابتداء والخبر مقدر : أي لهم كذا وكذا من العذاب ، ويجوز أن يكون مرفوعا بدلا من الضمير المستتر في قوله ( مختالا فخورا ) ويجوز أن يكون منصوبا على تقدير أعني ، أو مرفوعا على الخبر والمبتدأ مقدر : أي هم الذين يبخلون ، والجملة في محل نصب على البدل . والبخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله ، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال البشر ما هو أقبح منه وأدل على سقوط نفس فاعله ، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها ، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله ( يأمرون الناس بالبخل ) كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة ، فلأكثر في عباده من أمثالكم ، هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه ، فما بالكم بخلتم بأموال غيركم ؟ مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر ، وهل هذا إلا غاية اللوم ونهاية الحمق والرفاعة وقبح الطباع وسوء الاختيار . وقد تقدم اختلاف القراءات في البخل . وقد قيل : إن المراد بهذه الآية اليهود فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله في التوراة ، وقيل المراد بها المنافقون ، ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك وأكثر شمولا وأعم فائدة . قوله ( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ) عطف على قوله ( الذين يبخلون ) ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به وبكتم ما آتاهم الله من فضله ، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء والسمعة كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم ، ويتطاول على غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه ، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان بالله وباليوم الآخر . قوله ( ومن يكن الشيطان له قرينا ) في الكلام إضمار ، والتقدير ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فقرينهم الشيطان ( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) والقرين المقارن ، وهو الصاحب والخليل . والمعنى : من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه فيها ، أو فهو قرينه في النار فساء الشيطان قرينا ( وماذا عليهم ) أي على هذه الطوائف ( لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) ابتغاء لوجهه وامتثالا لأمره : أي وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك