إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) * أي : حسدا من عند أنفسهم ، بأن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم . * ( إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) * لا يفتر عنه ، ليلا ولا نهارا ، ولا سرا ، ولا جهارا ، فالبعد عن الأسباب ، التي يتسلط بها على العبد ، أولى ، فامتثل يوسف أمر أبيه ، ولم يخبر إخوته بذلك ، بل كتمها عنهم . * ( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ) * يقول تعالى : * ( لقد كان في يوسف وإخوته آيات ) * أي : عبر وأدلة ، على كثير من المطالب الحسنة . * ( للسائلين ) * أي : لكل من سأل عنها ، بلسان الحال ، أو بلسان المقال . فإن السائلين ، هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر ، وأما المعرضون ، فلا ينتفعون بالآيات ، ولا بالقصص ، والبينات . * ( إذ قالوا ) * فيما بينهم : * ( ليوسف وأخوه ) * بنيامين ، أي : شقيقه ، وإلا ، فكلهم إخوة ، * ( أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ) * أي : جماعة ، فكيف يفضلهما بالمحبة والشفقة ، * ( إن أبانا لفي ضلال مبين ) * أي : لفي خطأ بين ، حيث فضلهما علينا ، من غير موجب نراه ، ولا أمر نشاهده . * ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ) * أي : غيبوه عن أبيه ، في أرض بعيدة ، لا يتمكن من رؤيته فيها . فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين * ( يخل لكم وجه أبيكم ) * ، أي : يتفرغ لكم ، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة ، فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف ، شغلا ، لا يتفرغ لكم ، * ( وتكونوا من بعده ) * أي : من بعد هذا الصنيع * ( قوما صالحين ) * أي : تتوبون إلى الله ، وتستغفرونه من بعد ذنبكم . فقدموا العزم على التوبة ، قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله ، وإزالة لشناعته ، وتنشيطا من بعضهم لبعض . * ( قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ) * أي : * ( قال قائل ) * من إخوة يوسف ، الذين أرادوا قتله ، أو تبعيده : * ( لا تقتلوا يوسف ) * فإن قتله أعظم إثما ، وأشنع ، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه ، من غير قتل ، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه * ( في غيابة الجب ) * وتتوعدوه ، على أنه لا يخبر بشأنكم ، بل على أنه عبد مملوك آبق ، لأجل أن * ( يلتقطه بعض السيارة ) * الذين يريدون مكانا بعيدا ، فيحتفظوا به . وهذ القائل أحسنهم رأيا في يوسف ، وأبرهم ، وأتقاهم في هذه القضية . فإن بعض الشر ، أهون من بعض ، والضرر الخفيف ، يدفع به الضرر الثقيل . فلما اتفقوا على هذا الرأي * ( قالوا يا أبانا ) * إلى قوله : * ( إنا إذا لخاسرون ) * . * ( قالوا ي أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون ) * أي : قال إخوة يوسف ، متوصلين إلى مقصدهم لأبيهم : * ( يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ) * أي : لأي شيء يدخلك الخوف منا ، على يوسف ، من غير سبب ، ولا موجب ؟ * ( و ) * الحال * ( إنا له لناصحون ) * أي : مشفقون عليه ، نود له ما نود لأنفسنا ، وهذا يدل على أن يعقوب عليه السلام ، لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها . فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة ، لعدم إرساله معهم ، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه ، الذي يحبه أبوه له ، ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم ، فقالوا : * ( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ) * أي : يتنزه في البرية ويستأنس ، * ( وإنا له لحافظون ) * أي : سنراعيه ، ونحفظه من كل أذى يريده . فأجابهم بقوله : * ( إني ليحزنني أن تذهبوا به ) * أي : مجرد ذهابكم به ، يحزنني ، ويشق علي ، لأنني لا أقدر على فراقه ، ولو مدة يسيرة . فهذا مانع من إرساله * ( و ) * مانع ثان ، وهو : أني * ( أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ) * أي : في حال غفلتكم عنه ، لأنه صغير ، لا يمتنع من الذئب . * ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) * أي : جماعة ، حريصون على حفظه ، * ( إنا إذا لخاسرون ) * أي : لا خير فينا ، ولا نفع يرجى منا ، إن أكله الذئب ، وغلبنا عليه . فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله ، وعدم الموانع ، سمح حينئذ بإرساله معهم ، لأجل أنسه . * ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم ه ذا وهم لا يشعرون * وجآءوا أباهم عشآء يبكون * قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين * وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) * أي : لما ذهب إخوة يوسف ، بعد ما أذن له أبوه ، وعزموا أن يجعلوه في غيابة الجب ، كما قال قائلهم ، السابق ذكره ، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه ، فنفذوا فيه قدرتهم ، وألقوه في
