فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين . ودل هذا ، على أن نوحا عليه السلام لم يكن عنده علم ، بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه ، محرم . داخل في قوله : * ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) * بل تعارض عنده الأمران ، وظن دخوله في قوله : * ( وأهلك ) * . وبعد هذا ، تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم ، والمراجعة فيهم . * ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ) * من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه . فبارك الله في الجميع ، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها . * ( وأمم سنمتعهم ) * في الدنيا * ( ثم يمسهم منا عذاب أليم ) * أي : هذا الإنجاء ، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك ، أحللنا به العقاب ، وإن متعوا قليلا ، فسيؤخذون بعد ذلك . قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعدما قص عليه هذه القصة المبسوطة التي لا يعلمها إلا من من الله عليه برسالته . * ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) * فيقولوا : إنه كان يعلمها . فاحمد الله ، واشكره ، واصبر على ما أنت عليه من الدين القويم ، والصراط المستقيم ، والدعوة إلى الله * ( إن العاقبة للمتقين ) * الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي ، فستكون لك العاقبة على قومك ، كما كانت لنوح على قومه . * ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إل ه غيره إن أنتم إلا مفترون * يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون * ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين * قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ * ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في ه ذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ) * أي : * ( و ) * أرسلنا * ( إلى عاد ) * وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف ، من أرض اليمن ، * ( أخاهم ) * في النسب * ( هودا ) * ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه . * ( قال ) * لهم * ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ) * أي : أمرهم بعبادة الله وحده ، ونهاهم عما هم عليه من عبادة غير الله ، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره ، وتجويزهم لذلك ، وأوضح لهم وجوب عبادة الله ، وفساد عبادة ما سواه . ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال : * ( يا قوم لا أسألكم عليه أجرا ) * أي : غرامة من أموالكم على ما دعوتكم إليه ، فتقولوا : هذا يريد أن يأخذ أموالنا ، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا . * ( إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ) * ما أدعوكم إليه ، وأنه موجب لقبوله ، منتفي المانع عن رده . * ( ويا قوم استغفروا ربكم ) * عما مضى منكم * ( ثم توبوا إليه ) * فيما تستقبلونه ، بالتوبة النصوح ، والإنابة إلى الله تعالى . فإنكم إذا فعلتم ذلك * ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) * بكثرة الأمطار ، التي تخصب بها الأرض ، ويكثر خيرها . * ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) * فإنهم كانوا من أقوى الناس ، ولهذا قالوا : * ( من أشد منا قوة ) * ؟ ، فوعدهم أنهم إن آمنوا ، زادهم قوة إلى قوتهم . * ( ولا تتولوا ) * عنه ، أي : عن ربكم * ( مجرمين ) * أي : مستكبرين عن عبادته ، متجرئين على محارمه . * ( قالوا ) * رادين لقوله : * ( يا هود ما جئتنا ببينة ) * إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها ، فهذه غير لازمة للحق ، بل اللازم أن يأتي النبي بآية ، تدل على صحة ما جاء به ، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة ، فقد كذبوا في ذلك ، فإنه ما جاء نبي لقومه ، إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر . ولو لم تكن له آية ، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله ، وحده لا شريك له ، والأمر بكل عمل صالح ، وخلق جميل ، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله ، والفواحش ، والظلم ، وأنواع المنكرات ، مع ما هو مشتمل عليه هود ، عليه السلام ، من الصفات ، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم ، لكفى بها آيات وأدلة على صدقه . بل أهل العقول ، وأولو الألباب ، يرون أن هذه الآية ، أكبر من مجرد الخوارق ، التي يراها بعض الناس ، هي المعجزات فقط . ومن آياته ، وبيناته الدالة على صدقه ، أنه شخص واحد ، ليس له أنصار ولا أعوان ، وهو يصرخ في قومه ، ويناديهم ، ويعجزهم ، ويقول لهم : * ( إني توكلت على الله ربي وربكم ) * . * ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) * ، وهم الأعداء ، الذين لهم السطوة والغلبة ، ويريدون إطفاء ما معه من النور ، بأي طريق كان وهو غير مكترث ، ولا مبال بهم ، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . وقولهم : * ( وما نحن بتاركي آلهتنا
