وافتراؤكم علينا ، صادا لنا عما كنا عليه . وإنما غايته ، أن يكون صادا لكم أنتم ، وموجبا لعدم انقيادكم للحق ، تزعمون أنه باطل ، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية ، فلا نقدر على إكراهكم على ما أمر الله ، ولا إلزامكم ما نفرتم عنه ، ولهذا قال : * ( أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) * . * ( ويا قوم لا أسألكم عليه ) * أي : على دعوتي إياكم * ( مالا ) * فتستثقلون المغرم . * ( إن أجري إلا على الله ) * ، وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء ، فقال لهم : * ( وما أنا بطارد الذين آمنوا ) * أي : ما ينبغي لي ، ولا يليق ذلك ، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام ، والإعزاز والإعظام * ( أنهم ملاقو ربهم ) * فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم . * ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) * حيث تأمرونني بطرد أولياء الله ، وإبعادهم عني ، وحيث رددتم الحق ، لأنهم أتباعه ، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل . * ( ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ) * أي : من يمنعني من عذابه ، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال الذي لا يمنعه من دون الله مانع . * ( أفلا تذكرون ) * ما هو الأنفع لكم والأصلح ، وتدبرون الأمور . * ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ) * أي : غايتي أني رسول الله إليكم ، أبشركم ، وأنذركم ، وما عدا ذلك ، فليس بيدي من الأمر شيء ، فليست خزائن الله عندي ، أدبرها أنا ، وأعطي من أشاء ، وأحرم من أشاء ، * ( ولا أعلم الغيب ) * فأخبركم بسرائركم وبواطنكم * ( ولا أقول إني ملك ) * . والمعنى : أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي ، ولا منزلة سوى المنزلة التي أنزلني الله بها ، ولا أحكم على الناس بظني . * ( ولا أقول للذين تزدري أعينكم ) * أي : الضعفاء المؤمنين الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا * ( لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم ) * ، فإن كانوا صادقين في إيمانهم فلهم الخير الكثير ، وإن كانوا غير ذلك ، فحسابهم على الله . * ( إني إذا ) * أي : إن قلت لكم شيئا مما تقدم * ( لمن الظالمين ) * ، وهذا تأييس منه عليه الصلاة والسلام لقومه ، أن ينبذ فقراء المؤمنين ، أو يمقتهم ، وإقناع لقومه ، بالطرق المقنعة للمنصف . فلما رأوه ، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم ، ولم يدركوا منه مطلوبهم * ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) * ، فما أجهلهم وأضلهم ، حيث قالوا هذه المقالة لنبيهم الناصح . فهلا قالوا إن كانوا صادقين : يا نوح قد نصحتنا ، وأشفقت علينا ، ودعوتنا إلى أمر لم يتبين لنا فنريد منك أن تبينه لنا للننقاد لك ، وإلا فأنت مشكور في نصحك . لكان هذا الجواب المنصف ، للذي قد دعا إلى أمر خفي عليه ، ولكنهم في قولهم كاذبون ، وعلى نبيهم متجرئون . ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة ، فضلا عن أن يردوه بحجة . ولهذا عدلوا من جهلهم وظلمهم إلى الاستعجال بالعذاب ، وتعجيز الله ، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله : * ( إنما يأتيكم به الله إن شاء ) * أي : إن اقتضت مشيئته وحكمته أن ينزله بكم ، فعل ذلك . * ( وما أنتم بمعجزين ) * لله ، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء . * ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) * ، أي : إن إرادة الله غالبة ، فإنه إذا أراد أن يغويكم ، لردكم الحق ، فلو حرصت غاية مجهودي ، ونصحت لكم أتم النصح وهو قد فعل عليه السلام فليس ذلك بنافع لكم شيئا ، و * ( هو ربكم ) * يفعل بكم ما يشاء ، ويحكم فيكم ما يريد * ( وإليه ترجعون ) * فيجازيكم بأعمالكم . * ( أم يقولون افتراه ) * هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح كما كان السياق في قصته مع قومه ، وأن المعنى أن قومه يقولون : افترى على الله كذبا ، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله ، وأن الله أمره أن يقول : * ( قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ) * أي : كل عليه وزره * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * . ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وتكون هذه الآية معترضة في أثناء قصة نوح وقومه ، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء ، فلما شرع الله في قصها على رسوله ، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته ، ذكر تكذيب قومه مع البيان التام فقال : * ( أم يقولون افتراه ) * أي : هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه ، أي : فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها ، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب ، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب ، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله . فإن زعموا مع هذا أنه افتراه ، علم أنهم معاندون ، ولم يبق فائدة في حجاجهم ، بل اللائق في هذه الحال ، الإعراض عنهم ، ولهذا قال : * ( قل إن افتريته فعلي إجرامي ) * أي : ذنبي
