حاجبة لعلم الله ، بأحوالهم ، وبصره لهيئاتهم . قال تعالى مبينا خطأهم في هذا الظن * ( ألا حين يستغشون ثيابهم ) * أي يتغطون بها ، يعلمهم في تلك الحال ، التي هي من أخفى الأشياء . بل * ( يعلم ما يسرون ) * من الأقوال والأفعال * ( وما يعلنون ) * منها ، بل ما هو أبلغ من ذلك وهو * ( إنه عليم بذات الصدور ) * أي : بما فيها من الإرادات ، والوساوس ، والأفكار ، التي لم ينطقوا بها ، سرا ولا جهرا ، فكيف تخفى عليه حالكم ، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه . ويحتمل أن المعنى في هذا ، أن الله يذكر إعراض المكذبين للرسول ، الغافلين عن دعوته ، أنهم من شدة إعراضهم يثنون صدورهم ، أي : يحدودبون ، حين يرون الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يراهم ، ويسمعهم دعوته ، ويعظهم بما ينفعهم ، فهل فوق هذا الإعراض شيء ؟ ثم توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم ، وأنهم لا يخفون عليه ، وسيجازيهم بصنيعهم . * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) * أي : جميع ما دب على وجه الأرض ، من آدمي ، وحيوان ، بري أو بحري ، فالله تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم ، فرزقهم على الله . * ( ويعلم مستقرها ومستودعها ) * أي : يعلم مستقر هذه الدواب ، وهو : المكان الذي تقيم فيه ، وتستقر فيه ، وتأوي إليه ، ومستودعها : المكان الذي تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها ، وعوارض أحوالها . * ( كل ) * من تفاصيل أحوالها * ( في كتاب مبين ) * أي : في اللوح المحفوظ المحتوي على جميع الحوادث الواقعة ، والتي تقع في السماوات والأرض . الجميع قد أحاط بها علم الله ، وجرى بها قلمه ، ونفذت فيها مشيئته ، ووسعها رزقه . فلتطمئن القلوب إلى كفاية من تكفل بأرزاقها ، وأحاط علما بذواتها ، وصفاتها . * ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ه ذآ إلا سحر مبين * ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ) * يخبر تعالى أنه * ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) * أولها : يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة . * ( و ) * حين خلق السماوات والأرض * ( كان عرشه على الماء ) * فوق السماء السابعة . فبعد أن خلق السماوات والأرض ، استوى على عرشه ، يدبر الأمور ، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية ، والأحكام الشرعية . ولهذا قال : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * أي : ليمتحنكم ، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض ، بأمره ونهيه ، فينظر أيكم أحسن عملا . قال الفضيل بن عياض رحمه الله : أي ( أخلصه وأصوبه ) . قيل يا أبا علي : ( ما أخلصه وأصوبه ) ؟ . فقال : إن العمل إذا كان خالصا ، ولم يكن صوابا ، لم يقبل . وإذا كان صوابا ، ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا . والخالص : أن يكون لوجه الله ، والصواب : أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة . وهذا كما قال تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * . وقال تعالى : * ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) * . فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ، ومعرفته بأسمائه وصفاته ، وأمرهم بذلك . فمن انقاد ، وأدى ما أمر به ، فهو من المفلحين ، ومن أعرض عن ذلك ، فأولئك هم الخاسرون ، ولا بد أن يجمعهم في دار ، يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم . ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء ، فقال : * ( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) * . أي : ولئن قلت لهؤلاء ، وأخبرتهم بالبعث بعد الموت ، لم يصدقوك ، بل كذبوك أشد التكذيب ، وقدحوا فيما جئت به ، وقالوا : * ( إن هذا إلا سحر مبين ) * ألا وهو الحق المبين . * ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) * أي : إلى وقت مقدر فاستبطأوه ، لقالوا من جهلهم وظلمهم * ( ما يحبسه ) * . ومضمون هذا ، تكذيبهم به ، فإنهم يستدلون بعدم وقوعه بهم عاجلا ، على كذب الرسول المخبر بوقوع العذاب ، فما أبعد هذا الاستدلال * ( ألا يوم يأتيهم العذاب ليس مصروفا عنهم ) * فيتمكنون من النظر في أمرهم . * ( وحاق بهم ) * أي : أحاط بهم ونزل * ( ما كانوا
