آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) * يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض . والمراد بذلك : نظر الفكر والاعتبار والتأمل ، لما فيها وما تحتوي عليه والاستبصار ، فإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ، وعبرا لقوم يوقنون ، تدل على أن الله وحده المعبود المحمود ، ذو الجلال والإكرام ، والأسماء والصفات العظام . * ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) * فإنهم لا ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم . * ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) * أي : فهل ينتظر هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله بعد وضوحها ، * ( إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) * أي : من الهلاك والعقاب ، فإنهم صنعوا كصنيعهم ، وسنة الله جارية في الأولين والآخرين . * ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) * فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة ، والنجاة في الدنيا والآخرة ، وليست إلا للرسل وأتباعهم . ولهذا قال : * ( ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ) * من مكاره الدنيا والآخرة ، وشدائدهما . * ( كذلك حقا علينا ) * أوجبناه على أنفسنا * ( ننجي المؤمنين ) * فإن الله يدافع عن الذين آمنوا ، فإنه بحسب ما مع العبد من الإيمان تحصل له النجاة من المكاره . * ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ول كن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين * ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ) * يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، سيد المرسلين ، وإمام المتقين وخير الموقنين : * ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) * أي : في ريب واشتباه ، فإني لست في شك منه ، بل لدي العلم اليقين أنه الحق ، وأن ما تدعون من دون الله باطل ، ولي على ذلك ، الأدلة الواضحة ، والبراهين الساطعة . ولهذا قال تعالى : * ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) * من الأنداد ، والأصنام وغيرهما ، لأنها لا تخلق ولا ترزق ، ولا تدبر شيئا من الأمور ، وإنما هي مخلوقة مسخرة ، ليس فيها ما يقتضي عبادتها . * ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) * أي : هو الله الذي خلقكم ، وهو الذي يميتكم ، ثم يبعثكم ، ليجازيكم بأعمالكم ، فهو الذي يستحق أن يعبد ، ويصلى له ويسجد . * ( وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) * أي : أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة لله ، وأقم جميع شرائع الدين حنيفا ، أي : مقبلا على الله ، معرضا عما سواه ، * ( ولا تكونن من المشركين ) * لا في حالهم ، ولا تكن معهم . * ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) * وهذا وصف لكل مخلوق ، أنه لا ينفع ولا يضر ، وإنما النافع الضار ، هو الله تعالى . * ( فإن فعلت ) * أي : دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك * ( فإنك إذا من الظالمين ) * أي : الضارين أنفسهم بإهلاكها . وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ، فإذا كان خير الخلق ، لو دعا مع الله غيره ، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره ؟ * ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) * هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة ، فإنه النافع الضار ، المعطي ، المانع ، الذي إذا مس بضر ، كفقر ومرض ، ونحوها * ( فلا كاشف له إلا هو ) * لأن الخلق ، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء ، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله ، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا ، لم يقدروا على شيء من ضرره ، إذا لم يرده . ولهذا قال : * ( وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) * أي : لا يقدر أحد من الخلق ، أن يرد فضله وإحسانه ، كما قال تعالى : * ( ما يفتح الله للناس من رحمة ، فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) * . * ( يصيب به من يشاء من عباده ) * أي : يختص برحمته من شاء من خلقه ، والله ذو الفضل العظيم ، * ( وهو الغفور ) * لجميع الزلات ، الذي يوفق عبده ، لأسباب مغفرته ، ثم إذا فعلها العبد ، غفر الله ذنوبه ، كبارها ، وصغارها . * ( الرحيم ) * الذي وسعت رحمته كل شيء ووصل جوده إلى جميع الموجودات ، بحيث لا تستغني عن إحسانه طرفة عين . فإذا عرف العبد بالدليل القاطع أن الله هو المفرد بالنعم ، وكشف النقم ، وإعطاء الحسنات ، وكشف السيئات والكربات ، وأن أحدا من الخلق ، ليس بيده من هذا شيء ، إلا ما أجراه الله على يده ، جزم بأن الله هو الحق ، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل . ولهذا ، لما بين الدليل الواضح قال بعده : * ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل * واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) * أي : * ( قل ) * يا أيها الرسول ، لما تبين البرهان * ( يا أيها الناس قد جاءكم الحق
