من نهار . فهذا برهان قاطع ، وآية عظيمة على صحة رسالته ، وصدق ما جاء به ، حيث كان وحده ، ولا عشيرة تحميه ، ولا جنود تؤويه . وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم ، وفساد دينهم ، وعيب آلهتهم . وقد حملوا من بغضه ، وعداوته ، ما هو أعظم من الجبال الرواسي ، وهم أهل القدرة والسطوة ، وهو يقول لهم : اجتمعوا ، أنتم وشركاؤكم ، ومن استطعتم ، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد ، فأوقعوا بي ، إن قدرتم على ذلك ، فلم يقدروا على شيء من ذلك . فعلم أنه الصادق حقا ، وهم الكاذبون فيما يوعدون ، ولهذا قال : * ( فإن توليتم ) * عن ما دعوتكم إليه ، فلا موجب لتوليكم ، لأنه تبين أنكم ، لا تولون عن باطل إلى حق ، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته إلى باطل قامت الأدلة على فساده . ومع هذا * ( فما سألتكم من أجر ) * على دعوتي ، وعلى إجابتكم فتقولوا : هذا جاءنا ، ليأخذ أموالنا ، فتمتنعون لأجل ذلك . * ( إن أجري إلا على الله ) * أي : لا أريد الثواب والجزاء ، إلا منه . * ( و ) * أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده ، بل * ( أمرت أن أكون من المسلمين ) * فأنا أول داخل ، وأول فاعل ، لما أمرتكم به . * ( فكذبوه ) * بعدما دعاهم ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ، * ( فنجيناه ومن معه في الفلك ) * الذي أمرناه أن يصنعه بأعيينا ، وقلنا له إذا فار التنور : * ( فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ) * ففعل ذلك . فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونا ، فالتقى الماء على أمر قد قدر : * ( وحملناه على ذات ألواح ودسر ) * تجري بأعيننا ، * ( وجعلناهم خلائف ) * في الأرض ، بعد إهلاك المكذبين . ثم بارك الله في ذريته ، وجعل ذريته هم الباقين ، ونشرهم في أقطار الأرض ، * ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) * بعد ذلك البيان ، وإقامة البرهان . * ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) * وهو : الهلاك المخزي ، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم ، لا تسمع فيهم إلا لوما ، ولا ترى إلا قدحا وذما . فليحذر هؤلاء المكذبون ، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين ، من الهلاك ، والخزي والنكال . * ( ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) * أي : * ( ثم بعثنا من بعده ) * أي : من بعد نوح عليه السلام * ( رسلا إلى قومهم ) * المكذبين ، يدعونهم إلى الهدى ، ويحذرونهم من أسباب الردى . * ( فجاءوهم بالبينات ) * أي : كل نبي أيد دعوته ، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به . * ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) * يعني : أن الله تعالى عاقبهم ، حيث جاءهم الرسول ، فبادروا بتكذيبه ، فطبع الله على قلوبهم ، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه ، كما قال تعالى : * ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) * . ولهذا قال هنا : * ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) * أي : نختم عليها ، فلا يدخلها خير . وما ظلمهم الله ، ولكنهم ظلموا أنفسهم ، بردهم الحق ، لما جاءهم ، وتكذيبهم الأول . * ( ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن ه ذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر ه ذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين * وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون * فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين * وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين * وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين * وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون * وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إل ه إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون * ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * أي : * ( ثم بعثنا من بعدهم ) * أي : من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذبين المهلكين . * ( موسى ) * بن عمران ، كليم الرحمن ، أحد أولي العزم من المرسلين ، وأحد الكبار المقتدى بهم ، المنزل عليهم الشرائع المعظمة الواسعة . * ( و ) * وجعلنا معه أخاه * ( هارون ) * وزيرا وبعثناهما * ( إلى فرعون وملإه ) * أي : كبار دولته ورؤسائهم ، لأن عامتهم ، تبع للرؤساء . * ( بآياتنا ) * الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد الله ، والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى ، * ( فاستكبروا ) * عنها ، ظلما وعلوا ، بعدما استيقنوها . * ( وكانوا قوما مجرمين ) * أي : وصفهم الإجرام والتكذيب . * ( فلما جاءهم الحق من عندنا ) * الذي هو أكبر أنواع الحق وأعظمها ، وهو من عند الله ، الذي خضعت لعظمته الرقاب ، وهو رب العالمين ، المربي جميع خلقه بالنعم . فلما جاءهم الحق من عند الله على يد موسى ، ردوه فلم يقبلوه ، و * ( قالوا إن هذا لسحر مبين ) * لم يكفهم قبحهم الله إعراضهم ولا ردهم إياه ، حتى جعلوه أبطل الباطل ، وهو السحر : الذي حقيقته التمويه ، بل جعلوه سحرا مبينا ، ظاهرا ، وهو الحق
