إلي ) * أي : ليس لي غير ذلك ، فإني عبد مأمور . * ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) * ، فهذا قول خير الخلق ، وأدبه مع أوامر ربه ووحيه ، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين ، الذين جمعوا بين الجهل والضلال ، والظلم والعناد ، والتعنت والتعجيز لرب العالمين ، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم ؟ فإن زعموا أن قصدهم ، أن يتبين لهم الحق بالآيات ، التي طلبوا فهم كذبة في ذلك ، فإن الله قد بين من الآيات ما يؤمن على مثله البشر ، وهو الذي يصرفها كيف يشاء ، تبعا لحكمته الربانية ، ورحمته بعباده . * ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا ) * ( طويلا ) * ( من قبله ) * أي : قبل تلاوته ، وقبل درايتكم به ، وأنا ما خطر على بالي ، ولا وقع في ظني . * ( أفلا تعقلون ) * أني ، حيث لم أتله في مدة عمري ، ولا صدر مني ما يدل على ذلك ، فكيف أتقوله بعد ذلك ، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا ، تعرفون حقيقة حالي ، بأني أمي ، لا أقرأ ، ولا أكتب ، ولا أدرس ، ولا أتعلم من أحد ؟ فأتيتكم بكتاب عظيم ، أعجز الفصحاء ، وأعيا العلماء ، فهل يمكن مع هذا أن يكون من تلقاء نفسي ، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد ؟ فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم ، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب ، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه ، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ، ولكن إذا أبيتم إلا التكذيب والعناد ، فأنتم لا شك أنكم ظالمون . * ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ، أو كذب بآياته ) * ؟ فلو كنت متقولا ، لكنت أظلم الناس ، وفاتني الفلاح ، ولم تخف عليكم حالي ، ولكني جئتكم بآيات الله ، فكذبتم بها ، فتعين فيكم الظلم ، ولا بد أن أمركم سيضمحل ، ولن تنالوا الفلاح ، ما دمتم كذلك . ودل قوله : * ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) * الآية ، أن الذي حملهم على هذا التعنت ، الذي صدر منهم هو عدم إيمانهم بلقاء الله ، وعدم رجائه ، وأن من آمن بلقاء الله ، فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب ، ويؤمن به ، لأنه حسن القصد . * ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ه ؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) * يقول تعالى : * ( ويعبدون ) * أي : المشركون المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم . * ( من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) * أي : إن معبوداتهم ، لا تملك لهم مثقال ذرة ، من النفع ، ولا تدفع عنهم شيئا . * ( ويقولون ) * قولا خاليا من البرهان : * ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) * أي : يعبدونهم ، ليقربوهم إلى الله ، ويشفعوا لهم عنده ، وهذا قول من تلقاء أنفسهم ، وكلام ابتكروه ، هم ، ولهذا قال تعالى مبطلا لهذا القول : * ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) * ، أي : الله تعالى هو العالم ، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض ، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه ، أفأنتم يا معشر المشركين تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء ؟ ، أفتخبرونه بأمر خفي عليه ، وعلمتوه ؟ أأنتم أعلم أم الله ؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول ، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء ، أعلم من رب العالمين ؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول ، فإنه يجزم بفساده وبطلانه : * ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) * أي : تقدس وتنزه ، أن يكون له شريك أو نظير ، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو ، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه ، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة . * ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) * . * ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون * ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) * أي : * ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) * متفقين على الدين الصحيح ، ولكنهم اختلفوا ، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . * ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) * بإمهال العاصين ، وعدم معاجلتهم بذنوبهم ، * ( لقضي بينهم ) * بأن ننجي المؤمنين ، ونهلك الكافرين المكذبين ، وصار هذا فارقا بينهم * ( فيما فيه يختلفون ) * . ولكنه أراد امتحانهم ، وابتلاء ، بعضهم ببعض ، ليتبين الصادق من الكاذب .
