واسع ، يعلم من يليق به الغنى ، ومن لا يليق ، ويضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها . وتدل الآية الكريمة ، وهي قوله : * ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) * أن المشركين بعدما كانوا هم الملوك والرؤساء بالبيت ، ثم صار بعد الفتح ، الحكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، مع إقامتهم في البيت ، ومكة المكرمة ، ثم نزلت هذه الآية . ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أن يجلوا من الحجاز ، فلا يبقى فيها دينان . وكل هذا لأجل بعد كل كافر عن المسجد الحرام ، فيدخل في قوله : * ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) * . * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من * ( الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) * إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم . * ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) * فلا يتبعون شرعه ، في تحريم المحرمات ، * ( ولا يدينون دين الحق ) * أي : لا يدينون بالدين الصحيح ، وإن زعموا أنهم على دين ، فإنه دين ، غير الحق ، لأنه إما دين مبدل ، وهو الذي لم يشرعه أصلا ، وإما دين منسوخ قد شرعه الله ، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز . فأمره بقتال هؤلاء ، وحث على ذلك ، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه ، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس ، بسبب أنهم أهل كتاب . وعين ذلك القتال * ( حتى يعطوا الجزية ) * أي : المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم ، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم ، بين أظهر المسلمين ، يؤخذ منهم كل عام ، كل على حسب حاله ، من غني ، وفقير ، ومتوسط ، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره ، من أمراء المؤمنين . وقوله : * ( عن يد ) * أي : حتى يبذلوها في حال ذلهم ، وعدم اقتدارهم ، ويعطوها بأيديهم ، فلا يرسلون بها خادما ، ولا غيره ، بل لا تقبل إلا من أيديهم ، * ( وهم صاغرون ) * . فإذا كانوا بهذه الحال ، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية ، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم ، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم ، واستسلموا للشروط التي أجراها المسلمون ، بما ينفي عزهم وتكبرهم ، ويوجب ذلهم وصغارهم ، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم . وإلا ، بأن لم يفوا ، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، لم يجز إقراراهم بالجزية ، بل يقاتلون حتى يسلموا . واستدل بهذه الآية ، الجمهور الذين يقولون : لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، لأن الله لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم . وأما غيرهم ، فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا . وألحق بأهل الكتاب في أخذ الجزية ، وإقرارهم في ديار المسلمين ، المجوس . فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ، ثم أخذها أمير المؤمنين عمر ، من الفرس المجوس . وقيل : إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار ، من أهل الكتاب وغيرهم ، لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين ، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم ، فيكون هذا القيد إخبارا بالواقع ، لا مفهوما له . ويدل على هذا ، أن المجوس أخذت منهم الجزية ، وليسوا أهل كتاب ، ولأنه قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث : إما الإسلام ، أو أداء الجزية ، أو السيف ، من غير فرق بين كتابي وغيره . * ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إل ها واحدا لا إل ه إلا هو سبحانه عما يشركون * يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) * لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب ، ذكر من أقوالهم الخبيثة ، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينهم ، على قتالهم ، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال : * ( وقالت اليهود عزير ابن الله ) * وهذه المقالة ، وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم ، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ، ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة ، التي تجرأوا فيها على الله ، وتنقصوا عظمته وجلاله . وقد قيل : إن سبب ادعائهم في ( عزير ) أنه ابن الله ، أنه لما تسلط الملوك على بني إسرائيل ، ومزقوهم كل ممزق ، وقتلوا حملة التوراة ، وجدوا
