مستخفيا منهم ، خائفا على نفسه . فسبحان اللطيف بعباده الذي لا يغالبه مغالب . * ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل ه ذا إن ه ذآ إلا أساطير الأولين * وإذ قالوا اللهم إن كان ه ذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ول كن أكثرهم لا يعلمون ) * يقول تعالى في بيان عناد المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم : * ( إذا تتلى عليهم آياتنا ) * الدالة على صدق ما جاء به الرسول . * ( قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) * وهذا من عنادهم وظلمهم ، وإلا فقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله ، ويدعوا من استطاعوا من دون الله ، فلم يقدروا على ذلك ، وتبين عجزهم . فهذا القول الصادر من هذا القائل ، مجرد دعوى ، كذبه الواقع . وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم أمي ، لا يقرأ ولا يكتب ، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين ، فأتى بهذا الكتاب الجليل ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . * ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا ) * الذي يدعو إليه محمد * ( هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) * قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم ، والجهل بما يبنيغ من الخطاب . فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه قالوا لمن ناظرهم وادعى أن الحق معه ، إن كان هذا هو الحق من عندك ، فاهدنا له ، لكان أولى لهم وأستر لظلمهم . فمذ قالوا : * ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) * الآية ، علم بمجرد قولهم ، أنهم السفهاء الأغبياء ، الجهلة الظالمون . فلو عاجلهم الله بالعقاب لما أبقى منهم باقية ، ولكنه تعالى دفع عنهم العذاب ، بسبب وجود الرسول بين أظهرهم فقال : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * فوجوده صلى الله عليه وسلم أمنة لهم من العذاب . وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهرونها على رؤوس الأشهاد ، يدرون بقبحها فكانوا يخافون من وقوعها فيهم ، فيستغفرون الله تعالى فلهذا قال : * ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) * . فهذا مانع يمنع من وقوع العذاب بهم ، بعدما انعقدت أسبابه . ثم قال : * ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) * أي : أي شيء يمنعهم من عذاب الله ، وقد فعلوا ما يوجب ذلك وهو صد الناس عن المسجد الحرام ، خصوصا صدهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، الذين هم أولى به منهم . ولهذا قال : * ( وما كانوا ) * أي المشركون * ( أولياءه ) * يحتمل أن الضمير يعود إلى الله ، أي : أولياء الله . ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام ، أي : وما كانوا أولى به من غيرهم ، * ( إن أولياؤه إلا المتقون ) * وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ، وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة ، وأخلصوا له الدين ، * ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * فلذلك ادعوا لأنفسهم أمرا ، غيرهم أولى به . * ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * يعني أن الله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه ، وتخلص له فيه العبادة . فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر ، وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه ، فما كانت صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات * ( إلا مكاء وتصدية ) * ، أي صفيرا وتصفيقا ، فعل الجهلة الأغبياء ، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم ، ولا معرفة بحقوقه ، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها ، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه ، فكيف ببقية العبادات ؟ فبأي شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة ، والأفعال السديدة . لا جرم ، أورثهم الله بيته الحرام ، ومكنهم منه . وقال بعدما مكن لهم منه * ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) * وقال هنا : * ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * . * ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أول ئك هم الخاسرون ) * يقول تعالى مبينا عداوة المشركين ، وكيدهم ، ومكرهم ، ومبارزتهم لله ولرسوله ، وسعيهم في إطفاء نوره ، وإخماد كلمته ، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم ، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله ، فقال : * ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن
