سورة الأنفال * ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين * إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أول ئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) * الأنفال ، هي : الغنائم ، التي ينفلها الله لهذه الأمة ، من أموال الكفار . وكانت هذه الآيات في هذه السورة ، قد نزلت في قصة ( بدر ) أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين ، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، فأنزل الله * ( يسألونك عن الأنفال ) * كيف تقسم وعلى من تقسم ؟ . * ( قل ) * لهم * ( الأنفال لله والرسول ) * يضعانها حيث شاءا ، فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله ، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله ، أن ترضوا بحكمهما ، وتسلموا الأمر لهما ، وذلك داخل في قوله : * ( فاتقوا الله ) * بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه . * ( وأصلحوا ذات بينكم ) * أي : أصلحوا ما بينكم من التشاحن ، والتقاطع ، والتدابر ، بالتوادد ، والتحاب ، والتواصل . فبذلك تجتمع كلمتكم ، ويزول ما يحصل بسبب التقاطع من التخاصم ، والتشاجر والتنازع . ويدخل في إصلاح ذات البين ، تحسين الخلق لهم ، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء ، والتدابر . والأمر الجامع لذلك كله قوله : * ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) * ، فإن الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله ، كما أن من لم يطع الله ورسوله ، فليس بمؤمن . ومن نقصت طاعته لله ورسوله ، فذلك لنقص إيمانه . ولما كان الإيمان قسمين : إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء ، والفوز التام ، وإيمانا دون ذلك ، ذكر الإيمان الكامل فقال : * ( إنما المؤمنون ) * الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان . * ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) * أي : خافت ورهبت ، فأوجبت لهم خشية الله تعالى ، الانكفاف عن المحارم ، فإن خوف الله تعالى ، أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب . * ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) * ، ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم ، لأن التدبر من أعمال القلوب ، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى ، كانوا يجهلونه ، ويتذكرون ما كانوا نسوه ، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير ، واشتياقا إلى كرامة ربهم ، أو وجلا من العقوبات ، وازدجارا عن المعاصي ، وكل هذا مما يزداد به الإيمان . * ( وعلى ربهم ) * وحده ، لا شريك له * ( يتوكلون ) * أي : يعتمدون في قلوبهم على ربهم ، في جلب مصالحهم ، ودفع مضارهم الدينية ، والدنيوية ، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ذلك . والتوكل هو الحامل للأعمال كلها ، فلا توجد ولا تكمل إلا به . * ( الذين يقيمون الصلاة ) * من فرائض ، ونوافل ، بأعمالها الظاهرة والباطنة ، كحضور القلب فيها ، الذي هو روح الصلاة ولبها . * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * النفقات الواجبة ، كالزكوات ، والكفارات ، والنفقة على الزوجات والأقارب ، وما ملكت أيمانهم ، والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير . * ( أولئك ) * الذين اتصفوا بتلك الصفات * ( هم المؤمنون حقا ) * لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان ، بين الأعمال الباطنة ، والأعمال الظاهرة ، بين العلم والعمل ، بين أداء حقوق الله ، وحقوق عباده . وقدم تعالى أعمال القلوب ، لأنها أصل لأعمال الجوارح ، وأفضل منها ، وفيها دليل على أن الإيمان ، يزيد وينقص ، فيزيد بفعل الطاعة ، وينقص بضدها . وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه ، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى ، والتأمل لمعانيه . ثم ذكر ثواب المؤمنين حقا فقال : * ( لهم درجات عند ربهم ) * أي : عالية بحسب علو أعمالهم ، * ( ومغفرة ) * لذنوبهم * ( ورزق كريم ) * وهو ما أعد الله لهم في دار كرامته ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ودل هذا ، على أن من لم يصل إلى درجتهم في الإيمان وإن دخل الجنة فلن ينال ما نالوا ، من كرامة الله التامة . * ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون * وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) * قدم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها ، لأن من قام
