نام کتاب : التفسير الحديث نویسنده : محمد عزة دروزة جلد : 1 صفحه : 200
يشاء ، ولا نريد أن نكرر ما قلناه قبل قليل في هذا الأمر . ولكنا نريد أن ننبه على أن في القرآن آيات من هذا الباب فيها إيضاح من شأنه أن يضع الأمر في نصاب الحق بالنسبة لإطلاق العبارة في آيات أخرى . ففي سورة البقرة : يُضِلُّ بِه كَثِيراً ويَهْدِي بِه كَثِيراً وما يُضِلُّ بِه إِلَّا الْفاسِقِينَ ‹ 26 › . وفي سورة الرعد : قُلْ إِنَّ اللَّه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْه مَنْ أَنابَ ‹ 27 › . وفي سورة إبراهيم : يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّه ما يَشاءُ ‹ 27 › . فهذه الآيات حينما تلاحظ أثناء تلاوة وتفسير الآيات التي جاءت عبارتها مطلقة وتفسر بها يزول كل ما يدور حول هذا الموضوع الكلامي من أسباب الحجاج والنقاش ويبدو قصد تقرير كون هدى اللَّه إنما يكون لمن استنار قلبه وحسنت نيته ورغب في الإنابة إلى اللَّه ، وكون الضلال إنما يكون للظالمين والفاسقين وأردياء النية والخلق ، وكون الهدى والضلال منوطين بحسن نوايا الناس وسوئها والرغبة في الإنابة إلى اللَّه والمكابرة فيها ، ويسوق الناظر إلى التماس سبب مجيء العبارة مطلقة في الآيات التي جاءت فيها مطلقة في أسلوبها وسياقها على ما ذكرناه قبل . ويمكن أن تساق آية الشورى هذه كمثل آخر : ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّه عِبادَه الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَه فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُورٌ ‹ 23 › . فإن بعض المفسرين وخاصة مفسري الشيعة فسروا الآية على أنها تفيد إيجاب محبة أقارب النبي الأدنين والبرّ بهم وطاعتهم ، في حين أن هناك آيات قرآنية عديدة [1] أمرت النبي بالقول إنه لا يسألهم أجرا دون أي استثناء . فملاحظة ذلك تجعل الناظر في القرآن يحمل ما جاء في آية الشورى من استثناء على محمل آخر يبعد عن القرآن وهم التعارض ، وينزه اللَّه ونبيه عن تقاضي الأجر على هداية