responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 5  صفحه : 265


ومن هذا المنظور فان ما افترضه الكواكبي بان الحل هو تسليم الشعوب الإسلامية بالخلافة للعرب ، الذين هم برأيه « انسب الأقوام » ويشكلون « الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية . . . بل الكلمة الشرقية » ، [1] يعطيه زيادة هذا الطرح المبني على قاعدة القومية ، أو ما يوافق فكرتها حسب تعبير « حوراني » [2] دون أن يتعارض ذلك مع الذي ذهب إليه « كوثراني » بان « المرجعية النظرية : تبقى عند الكواكبي نظرية الإسلام » ، [3] فمن الطبيعي جدا أن يكون منطلقه ، وهو الفقيه وصاحب تعبير « الإسلامية » ، [4] بمضمونها القرآني « والحديثي » ، من هذه القاعدة أو النظرية ، إلا أن فرادته جاءت - ولا نظن بان قارئا متمعنا في فكره ينكر ذلك - تجلت في أنه أول من طرح الخلافة العربية ، ليس على أساس ديني ، ولكن وفقا للنموذج الراشدي والقليل المتماهي معه في العهد الأموي ( خلافة عمر بن عبد العزيز ) حين اتحدت إدارة الملك وإدارة الدين على نحو لم يتكرر بعده في الإسلام . [5] ومن الطبيعي أيضا أن يكون للكواكبي مكان في الحركة الداعية إلى « النهوض بالعالم الإسلامي » التي رادها الأفغاني وانخرط فيها كبار النهضويين في تلك الفترة . على أن هذه الحركة أمام التحديات التي عطلت دورها ، لم يعد مجديا النضال تحت لوائها مما أدى إلى تبعثر أعضائها في اتجاهين :
أحدهما ، كان ما يزال مؤمنا باستمرار العرب في إطار الدولة العثمانية ، وصولا إلى تحقيق صيغة الاستقلال الذاتي [6] وثانيهما أخذ يتجه إلى الخروج نهائيا من إطارها والعمل على تأسيس دولة عربية موحدة ، بعد فجيعته بالمنحى الطوراني ( القومي ) لهذه الدولة كما سبقت الإشارة . ومن هنا تكتسب فكرة الكواكبي أهميتها ، بأنه كان الأكثر جرأة في ترجمة هواجسه - ولو بصورة مقنعة - من منطلق عربي ( قومي ) . وليس من منطلق إسلامي كما كان مطروحا لدى دعاة « العثمانية » التي قامت على انقاض « الجامعة » واستمرت وقتا في الفترة « الاتحادية » ، فالعرب هم عماد الإسلام ومجد هذا الدين اقترن بهم ، مما جعلهما متلازمين تاريخا ووحدتهما مجسدة في الخلافة التي كانت في قريش وحاول استعادة نموذجها [ الكواكلبي ] الكواكبي بعد نحو ثلاثة عشر من القرون .
كان هذا أقصى ما يمكن الإفصاح عنه في زمن ظلامي ، حين طرح الكواكبي هذه الأفكار ، دون أن يجرؤ على مثل ذلك حتى أولئك [ الدين ] الذين كانوا خارج سياج الظلام ، ولعل رده على الشيخ رشيد رضا يذهب بنا إلى الاعتقاد ، بان صورة الخليفة التي رسمها في وادي القرى ، قد راودته في حلب ، حيث وضع على الأرجح مادة الكتاب ، وهي ليست نفسها التي عبر عنها في مصر ، إذ قال - أي الكواكبي - : « فلما ذا يقدح في وينعي علي إذا نصحت لأبناء ملتي المسلمين أن لا يعتمدوا على السلاطين في زماننا هذا لاقامة معالم الدين ، وأن يميزوا بين الدول الحاضرة التي تقتصر وظيفتها على الأمور الدنيوية والدول الغابرة التي كانت وظيفتها تعم الأمور الدينية والدنيوية معا ، فلا ينتظروا من دولتنا الحاضرة ما كان أسلافنا المسلمون يحصلون عليه » . فلم يكتف هنا بالوظيفة الروحية للخليفة ، لأنها تخل بسلطة الخلافة كما كرسها الفقهاء المسلمون ، وهو ما كان يدركه جيدا كل من الشيخين المتناظرين على صفحات « المقطم » ، إلا أن المكان هو الذي فرض على الكواكبي ، الفصل بين السلطتين ، مذكرا زميله ، بأنه لو قال في « طرابلس الشام [7] ليس للمسلمين اليوم خليفة ولا امام لاطارته أعاصير السخط إلى أعالي الغمام ثم طوحت به صواعق الانتقام إلى لجج البحار » . [8] وهكذا فان مجرد الدعوة إلى استعادة الخلافة للعرب وإلى موقعها القرشي بالذات ، يشكل سابقة نضالية في الحركة العربية ، حتى ولو لم يتم الإفصاح عن مضمونها القومي المباشر ، ذلك التعبير الذي استخدمه على ما يبدو الزهراوي للمرة الأولى ، وهو من المتأثرين بالكواكبي إلى حد كبير ، [9] ولكن الأخير استخدم تعبير « القوم » في سياق الإشارة إلى العرب ، أو « الناطقين بالضاد » ، [10] وتحريضهم على « الاتحاد الوطني دون الديني » ، [11] تماهيا مع أمم الغرب ، كما استخدم عبارة « الأمة » في التخاطب مع الناشئة العربية التي وجه إليها كتابه « الطبائع » ، عاقدا عليها الآمال في بعث « الأمة » واستنهاضها على خطى الأجداد الذي لم ينحنوا « إلا ركوعا لله » . [12] إن قراءة هادئة في فكر الكواكبي ، تجعلنا على يقين بأنه تجاوز الطروحات « العثمانية » التي شكلت محور الخطاب الاصلاحي في ذلك الوقت ، منفردا بخطاب سياسي له نكهته العربية ، وإن كانت غير ظاهرة تماما ، في القراءة السريعة والمسطحة لفكره ، فالعرب كانوا ما يزالون بالنسبة إليه ، هم الدين والتراث والقيادة والعلم [13] واللغة التي تشد أواصرهم ، فضلا عن المستقبل المعقود لهم ، بعد استفحال ما سماه ب « الفتور » وما أدى إليه من فقدان الرابطة السياسية والدينية في الدولة « المريضة » . وقد لا يكون الكواكبي مفكرا قوميا بالمعنى المباشر أو المتداول فيما بعد ، إلا أنه في كتاباته ، برغم الاستبداد والظلامية ، طرح للعرب موقعا متميزا بين المسلمين المنضوين تحت حكم السلطنة ، الأمر الذي يجعلهم مؤهلين لدور قيادي ، أو بالأحرى لاستعادة هذا الدور ، على أن الكواكبي أخيرا ، إذا كان تراثيا يختلج « مجد » السلف العظيم في عروقه ، فان اطلاعه على الثقافة الأوروبية ، الناضحة حين ذاك بالفكر القومي ، قد أغنى هذا الحافز النضالي في ذاته ، سواء كان له مضمونه القومي الراسخ ، أم أنه مجرد ارهاص بهذه الفكرة . . . وفي كلا الوضعين يحتل الكواكبي موقعا متقدما ويتخذ زيادة خاصة .
عبد الحسين ميرزا بن الميرزا محمد عسكري رئيس لكهنو ولد سنة 1300 في كربلاء ( العراق ) وتوفي سنة 1365 في لكهنو ( الهند ) .



[1] كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي ، ص 157 .
[2] الفكر العربي في عصر النهضة ، ص 325 .
[3] كوثراني ، المرجع السابق ، ص 325 .
[4] أم القرى ، ص 174 .
[5] الدوري ، المرجع السابق ، ص 172 .
[6] انطونيوس ، المرجع السابق ، ص 171 .
[7] داية ، المرجع السابق ، ص 141 .
[8] يتحدر الشيخ رضا ، كما هو معروف - من القلمون القريبة من طرابلس الشام .
[9] كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي ، ص 157 .
[10] الدوري ، المرجع السابق ، ص 145 .
[11] طبائع الاستبداد ، ص 102 .
[12] المكان نفسه .
[13] المرجع نفسه ، ص 99 .

265

نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 5  صفحه : 265
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست